هذا العلم، فعلم الحديث علم اجتماعي، هو إفراز لهذه الأمة، أمة تفرز هذه العلوم، والعالم لا يستطيع أن يعيش في الصحراء بعيدًا عن إنتاج أمته.
الناس يتحدثون عن ابن تيمية، ابن تيمية إنتاج اجتماعي، لما تنظر البيئة المحيطة به تجد أنه نتج في بيئة علماء، ولا يوجد عالم عندنا كالفِطر يخرج هكذا من الصخرة، لا يوجد عندنا علم ينتج هكذا لوحده، لا بد أن توجد عنده القاعدة الاجتماعية التي تُنتج هذا العلم.
عندما تحدثنا عن (الأدب المفرد) قلنا أن هذا الكتاب إنتاج اجتماعي؛ لأن العلماء رأوا أن هناك اتجاه موجود فيه خرق قاعدة وحدة الثقافة ووحدة المصدر. علماء أهل السنة من الذكاء بمكان عندما رأوا كتبًا تؤلَّف في الأدب، وهذه الكتب تشرح الأدب عند أهل فارس، عند اليونان، عند الهنود، ففزعوا لهذا الاختراق وهذه معركة من معارك الوجود لاختراق وحدة المصدر.
فيقوم العالم ويؤلف كتابًا، لا يقول:"الرد على كذا وكذا"، ولكن الكتاب يُفهم في إطاره التاريخي أنه رد على هذا الاختراق، فقلنا أن هذه الكتب التي أُلفت مثل (الأدب المفرد) للإمام البخاري، كتاب الأدب الواسع في (سنن أبي داود) ، وهكذا عند الإمام البخاري في الصحيح وكل مؤلَّف، لماذا يُفردون ويُنشئون كتب الأدب؟ هي رد، ولكن كيف نفهم هذا؟ هذا لا يكون اكتشافه كما تكتشفون الآن"العالم الفلاني ردَّ على العالم الفلاني أو على قضية كذا"، ليس مثل الآن:"العالم رد على المستشرقين"، العلماء لا يضعون هذا، يُلغِّزون الرد، يُنشؤون الكتاب، فأنت عليك أن تفهم هذا الكتاب خلال الحقبة الاجتماعية والتاريخية لعصره لترى هذا الكتاب ردًّا على ظاهرة ما أو قضية ما.
أقول هنا لا بد أن تفهم مقاصد الكتب، ولا يمكن معرفة مقاصد الكتب حتى تذهب فتنظر إلى سياقها التاريخي، سياقها التاريخي يقتضي قراءة الاجتماع في داخل هذا العصر، لماذا وضعه؟ سنكتشف أن كتاب (الأذكار) هو رد على قضية دينية موجودة، وكتاب (رياض الصالحين) هو رد على قضية، هو لم يُرِد فقط أن يضع كتابًا هكذا من أجل أن يكون، وإلا فكتب السنة موجودة.
لو ذهبنا إلى كتاب (الرسالة) لأبي زيد القيرواني وهو كتاب صغير تقرأه في جلسة واحدة، وتعجب لهذا الإمام العظيم، كيف يضع هذا الكتاب، لماذا وضعه؟ فتذهب وتبحث فتجد أنه قد وضعه في زمن غلبة العبيديين على المغرب، وألّفه للأطفال