سائل طالب علم أو شاديا للعلم فسألته كيف تنظر للإمام النووي يقول لك هذا الإمام العابد الذي كما قيل لم يبق إلا خصلة النبوّة ليبلغ الكمال، ذلك أنه عالم، زاهد، آمر بالمعروف وناه عن المنكر، فاجتمعت فيه خصال الخير جميعها، وحياته شهدت بهذا، ووقوفه أمام مماليك البحرية في بعض المسائل الفقهية والفتاوى التي عرضت عليه فصدّها، وخاصة قضية أخذ المكوس من الناس من أجل تجهيز الجيوش ضد التتار.
وهذه فتوى شهيرة له وقف فيها وحيدًا ضد فتاوى العلماء الآخرين بإجازة جبي الأموال من العامة، وقال لقطز أجيز لك أن تجمع المال من الأمة على شرط أن تنفق الأموال التي في القصور، هناك أموال تُحلى بها نساء وجواري القصور عندكم، وهناك أموال عند القادة والعسكريين، وهناك أموال عند أصحاب الحظوة، هذه أموال الأمة أُخذت، فعليك أن تستنفذ هذه الأموال وتأخذها إلى بيت المال فإن لم تكف ذهبت إلى العامة لتأخذ الأموال. هذه فتوى تدل على بصيرته وليس على عزلته، وتدل على أنه يعرف الحياة وليس خاليًا عنها؛ لأن معنى الزهد كأنّه يعطي شيئا من طبيعة الانفصال عن الواقع. وهذه فتوى رجل تدل على أنه يعيش الواقع.
هذه الشخصية الغريبة تلقي بظلال علينا أن نزيل قشرتها لعلنا نصل إلى بعض المعاني مما يفيدنا في القراءة، وهي قضية مهمة جدًا. أنا أكرر أنّ معرفتنا بحياة وبطريقة الإمام النووي في الكتابة وفي التصنيف ومعرفتنا بألفاظه وكيفية كتابته تلقي لنا بمعاني مهمة جدًا في التربية.
مما يستغرب أن هذا الإمام عاش ستة وأربعين عامًا أو قريبًا منه، فعاش عمرًا قصيرًا. فيتصور الناس أنه طلب العلم مبكرًا إذ مات مبكرًا وكتب هذه المؤلفات الكبيرة الجليلة، ابن العطار تلميذه علاء الدمشقي ألّف كتابًا سماه (روضة الطالبين في ترجمة محيي الدين) وهو تلميذه وأخص الناس به، والإمام السخاوي يقول بأن كل ما تلقّاه عن محيي الدين النووي أخذه من طريق تلميذه ابن العطار، وألّف ترجمة له.
فما يُعرف عن النووي إنما يُعرف عن طريق هذا التلميذ، حتى سُمي هذا التلميذ بمختصر النووي. ونسبة العلماء إلى العلماء موجودة، ونسبتهم إلى الكتب. فبعض العلماء يُنسب للكتب، أو يُنسب للشيخ حتى يلتصق به، وهذا كذلك من هذا الصنف إذ سُمي بمختصر النووي لكثرة التصاقه بهذا الإمام. وألّف فيه مصنفًا في ترجمته وأحواله وفي أخباره.