فيقول إنّ الإمام طلب العلم وعمره تسعة عشر عامًا. وهذا في الأزمنة المتقدمة يُعتبر تأخرًا في طلب العلم؛ لأنّ العلماء الذين يُعرف عنهم كثرة التصنيف يُذكر عنهم أنهم طلبوا العلم وجلسوا في مجالس العلم وهم في الصغر. والإمام النووي يقول إن والده أحضره إلى دمشق ووضعه في المدرسة وعمره تسعة عشر عامًا. وهو من نوى، إحدى قرى حوران.
فإذن انتبهوا إلى العجب، بدأ طلب العلم وهو ابن تسعة عشر عامًا، وتُوفي وعنده ستة وأربعون سنة، إذن كم سنة طلب العلم؟ ستة وعشرين سنة فقط. يعني بذل من عمره ستة وعشرين عامًا؛ في الطلب، والتأليف، والتعليم، إلى غير ذلك. فما الذي أعطى الإمام النووي هذه الخصلة في التصنيف ومتى بدأ يصنف؟
كان أوّل كتاب صنّفه بعد ستة أعوام من الطلب. وهذا شيء لا يُقبل عند (أهل العلم) ، يعني لا بدّ للرجل أن يشيب -حتى تعرفوا مناهج الناس المعاصرين في التصنيف والكتابة إذ يضعون قواعد ذهنية خاصة بهم من أجل إسقاط الخصم! بعد ستة سنوات فقط من الطلب صنّف الإمام. طبعًا يمكن للصوفي أن يفسر المسألة بطريقة عرفانية بأن هذا فتح إلهي.
لا، العلماء لا ينظرون إلى مثل هذه التحوّلات العجيبة في الشخصية وفي الحدث بدون قراءة سننية، لا ينظرون بهذه الطريقة، ولا يقبلونها، ولا يقفزون على السنن من أجل تفسيرها تفسيرًا غيبيًا.
ونحن قلنا أكثر من مرة أن البركة والعطاء الإلهي لا بد لها من وجود الأصل. وهذه القاعدة رددناها أكثر من مرة، يعني لما النبي - صلى الله عليه وسلم - نبع الماء من بين أصابعه أمن فراغ أم وضع يده في الإناء الذي فيه الماء؟ فالأصل موجود، لا بد من الأصل. لما حصلت البركة في الطعام مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هل هكذا نزلت المائدة من السماء أم قال اجمعوا لي ما بقي لكم فجمعوا. فالأصل لا بد أن يكون موجودًا حتى تحصل البركة.
إذن هذا هو عالم السنن مع هذه الأمة، لا بد من وجود القاعدة من أجل أن تحصل البركة أو يحصل العطاء الإلهي بعد ذلك. إذًا ما الذي جعل هذه الخاصية في هذا الإمام ليؤلّف؟ ستة وعشرون سنة في الطلب وبدأ التصنيف بعد ست سنوات وهذه غير مقبولة عند (أهل العلم) لا بد أن يشيب عارضاه قبل أن يكتب كتابه! طبعًا هذا كلام غير صحيح؛ لأن الإمام البخاري بدأ تصنيف أعظم كتاب في الرجال وعمره أربع عشرة سنة. كتاب (التاريخ الكبير) للإمام البخاري بدأ تصنيفه وعمره أربعة عشر عامًا. لم يبلغ الشيء الكثير لكن هذا لتعرفوا بأن الذي يريد أن يضع حدودًا وقواعد للعلم يخطئ.
العلم هو الأصل، الحواشي حوله إنما هي أحوال يتقلّب بها المرء وتزيد وتنقص وتذهب وتأتي ولكن المقصود هو العلم.