وكذلك إذا ذهبنا إليه عالمًا اجتماعيًا أو خبيرًا نفسيًا ذهبنا إلى (إحياء علوم الدين) ؛ فهو منجم كبير لقضية التربية. وأخذت نظرياته في التربية إلى أوسع مدى من المخالف والموافق، حتى مع كراهة المدرسة الحنبلية السلفية لما يقوله الغزالي إلا أنها اضطرت أن تذهب إلى كتاب الإحياء فتختصره، كما اختصره ابن قدامة في منهاج القاصدين؛ وذلك لقوة هذا الكتاب وأسره.
وكما قلنا في دروس الموافقات لكن لا بأس أن نكررها هنا حتى يكون الكلام منتشرًا من عدة مصادر، أنّ ابن قدامة تأثر من مقدمة الغزالي في المستصفى ووضعها في كتابه الأصولي الحنبلي الشهير. والغزالي مبدع في كتبه، لا يمشي على منوال الآخرين، أمّا قول ابن تيمية -رحمه الله- أنّ كتاب الإحياء مأخوذ من قوت القلوب أو مأخوذ من الرعاية للمحاسبي فهذا من جهة استدلالاته ومن جهة نقولاته، وأما من جهة صياغة الكتب وما فيها من أبحاث فلا شك أن كتب الغزالي جديدة كل الجدة، وهي فن مما يمكن أن يطلق عليه أنها نسيج وحدها.
فلو ذهبت إلى الغزالي مربيًا عالمًا اجتماعيًا لوجدته في هذا سيد من السادات في هذا الباب. ولو ذهبت إليه مصنفًا مبدعًا في الكتب فيكفي أن كتاب المنقذ من الضلال قلّما نشأ كتاب إسلامي على منواله لأن البعض وقد صدقوا في جانب كبير مما قالوه وأصابوا بأن كتاب المنقذ من الضلال يُعد من السيرة الذاتية والعلماء لا يكتبون سيرهم الذاتية.
لا يوجد في تاريخنا كتابة السيرة الذاتية، وهو فن قليل جدًا في تاريخ الثقافة الإسلامية وفي تاريخ المصنفات الإسلامية. وإنما تُستقى السيرة الذاتية للعلماء لنُتَفٍ تُقال هنا وهناك، أمّا أن يكتب الرجل عن نفسه فهذا قليل، لكن يمكن أن تؤخذ سيرهم من خلال بعض النصوص في كتبهم. تُجمَّع حتى تجتمع بعض الصورة لهذا العالم أو ذاك، لكن المنقذ من الضلال على منوال السيرة الذاتية.
ولو جئت للغزالي كذلك فيلسوفًا فهو فيلسوف، وكتابه تهافت الفلاسفة يدل على أنه دخل في أجوافهم كما وصفه تلميذه ابن العربي المالكي. وكتابه تهافت الفلاسفة صار مرجعًا عند الفقهاء في الحكم على الفلاسفة وأقوالهم، وما هي مرتبتهم في دين الله -عزَّ وجلَّ-.
وإذا جئنا إليه متكلمًا فهو على مذهب الأشاعرة في اختياراته الكلامية، وكتبه فيها الكثير من هذا. ولو جئنا إليه شخصية متناقضة فأنت تعجب من هذا الرجل الفقيه كيف يقول كلامًا في الإحياء على غير منوال الفقه؛ ولذلك عُدّ كتابه الإحياء مزجًا