فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 715

غريبًا وجديدًا لم يُعهد من قبل بين الفقه والتصوف. يعني أول من مزج الفقه بالتصوّف هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة 505 هـ.

فهذا الإمام الغزالي شخصية جامعة وعاشت حياتها كما عاشت هذه الأفكار المتعددة والدليل هذا الكتاب المنقذ من الضلال يكشف فيها الغزالي أنه عاش هذه الكتب في حياته، وتقلّب فيها وأراد أن يستبصر الحق من خلال هذه المسيرة، سواء كانت العقدية أو السلوكية.

وإذا جئته عالمًا بالباطنية فإنه يقول أنّه مر على هذا الطريق وكان مقتنعًا به أو أنه عاشه لمدة شهرين تقريبًا من الزمن، وألّف بعد ذلك كتابه الشهير (فضائح الباطنية) . وكتابه فضائح الباطنية كذلك مرجع عند الفقهاء والعلماء في معرفة أصول الباطنية.

فهذه الشخصية إذًا جامعة، وهو ككل علمائنا ابن بيئته في الردود، ويعني أنّه لم يستجلب حروبًا خارجية، وهذه نقطة مهمة جدًا، فهو لم يستجلب حروبًا ومعارك من خارج زمنه، بل كل ما تكلمنا عنه كان موجودًا في زمانه؛ كان هناك الباطنية الحاكمة، الإسماعيلية المتمثلة في العبيدين، وكان هناك مدرسة الفقهاء، والمدارس النظّامية المتعددة في بلاد المسلمين التي أنشأها نظام الملك من أجل إيقاف المد الباطني والقضاء على القرامطة وهذه منقبة لهذا الرجل.

وكانت كذلك تتبنى عقيدة الأشاعرة للرد على الباطنية لأن هذا هو الموجود للرد على الباطنية والزنادقة. وكان الغزالي مدرسًا في نيسابور في المدارس النظامية في أول حياته وقبل رحلته المتقلبة فيما ذكر عن نفسه، وبعد أن استقر به المقام متصوفًا سائرًا على طريقة الصوفية، فمن دمشق إلى بيت المقدس إلى مكة والمدينة ثم عاد مدرسًا إلى نيسابور مرة أخرى. وخلال هذه المدة ألّف كتابه المنقذ من الضلال.

فلذلك الحديث عن الغزالي ليس سهلًا ويعجبني العقاد حينما قال إن العقل المسلم هو عقل الغزالي. العقاد هذا القارئ الشهير سواء خالفناه -ونخالفه كثيرًا- أو وافقناه ولكننا نقر بأنه مطلع وأنه من القارئين النهمين في الوقت المعاصر، وأحكامه في قراءاته تقترب من الصواب ما لم تكن حديثًا عن الإسلام ومنهج المسلمين، لكنه قال بأن العقل المسلم هو عقل الغزالي، وكأن الغزالي جمع كل ما ينتسب إلى الإسلام من عقول متفرقة.

وأما الزعم بأنّ عقل الغزالي هو عقل بياني كما يقول علي الجابري فهذه طريقة غير جيدة في الحكم على الأشخاص، بل نجد أن الشخص يمكن أن يجتمع فيه البيان والعقل ونجد فيه كذلك الغنوص كما في الغزالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت