والحالة الوحيدة التي لا يمكنه إخضاعها إلى المعالجات الفكرية كما عالج غيرها؛ لأن الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال -كما يزعم بعض الدارسين أنه هو أساس مذهب الغنوص والشك- فإذًا هو الحديث عن عقائد، هو يتحدث عن الباطنية، عن الفلاسفة، عن المتكلمين، عن الصوفية. وحين يأتي إلى الفقهاء يتحدث حديثًا ليس حديث العقل ما هي أسسهم الفقهية، بل يتحدث حديث السالك. وهذا بسطه في كتاب إحياء علوم الدين.
هناك رابط قوي وأنا أجزم أنه كتب المنقذ مع كتاب الإحياء. يعني كان في وقت سواء. وهو كشف هنا أنه كتبه بعد الرحلة المشهورة حتى عاد إلى نيسابور في آخر عمره، يعني بعد أن طوّفه في الخمسين وعاد إلى نيسابور واستقرّ في مدرستها هناك للتدريس. وكذلك الإحياء كتبه بعد رحلته الصوفية وبعد رحلته إلى دمشق ثم بيت المقدس ومن مكة إلى المدينة ثم رجع إلى هناك.
لماذا ألّف كتابه؟ تجدون النقد الذي يوجهه الغزالي في كتاب الإحياء هو النقد الذي يوجهه الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال للعلماء. فقد شرع في أول كتابه بنقد العلماء نقدًا سلوكيًا لا علاقة له بالمنهج. فلما نقد طريقة الفقهاء لم يأت إليها من جهة علمية، وإنما نقدها من جهة سلوكية. بخلاف نقده للطرق الأخرى؛ فإنه جاء إليها من جهة العقائد وجاء إليها من جهة السلوك.
مثلًا -وهذا الاستعجال في البحث ولكن لا بأس به- لما جاء إلى طريقة الفلاسفة فإنه انتقد مقالاتهم وما آلو إليه من أراء متبناة. ولكنه كذلك انتقد أن ابن سينا كان تاركًا للصلاة، وهذا مشهور عنه. فالفلاسفة يُعرف عنهم هذا الأمر وهو تهاونهم بالعبادات. ذُكر عن الآمدي في ترجمته والآمدي هو فيلسوف أصولي وهو معروف عند الفلاسفة أكثر، لكن عندنا نحن طلاب الشريعة ومسائل الفقه لا نعرف إلا كتاب الإحكام في أصول الأحكام، وبلا شك أنه كتاب عظيم في الأصول. ولكن يذكرون عن الآمدي أن تلاميذه شكوا أنه لا يصلي، فوضعوا حبرًا في أسفل رجله ليروا ثاني يوم هل غُسلت هذه بالوضوء أم لا، فوجدوا نقطة الحبر ما زالت على رجله.
القصد بأن الغزالي في نقده لطريقة الفقهاء لم يرها مقنعة لقلبه؛ فانتقد سلوكهم. وهذا بيّن في أول كتاب الإحياء فالكلام فيه عن العلم والعلماء، والذي جعله ينشئ هذا الكلام هو بيان فساد العلماء في عصره، وهذا حكمه عليهم في كتاب الإحياء وفي كتاب المنقذ من الضلال.