هناك مناهج لمعرفة الحق في الوجود، هناك أسئلة وجودية شغلت البشرية. وهناك طرق مختلفة للوصول إلى هذه الأجوبة؛ هناك الطريق الحق أن الله خلقنا وجهلنا من نحن. ويبدأ جهلنا في تفسيرنا لحركاتنا. يعني أنا أقول دائمًا لولا وجود النص القرآني هل نحن مسيرون أو مخيرون لكان كل قول مائة بالمائة صحيح وبالتالي مائة بالمائة خطأ؛ لأنه إذا تعارض شيء بهذه القوة كلها صحيح وكلها خطأ. يعني الآن أنا أتكلم لو جاء رجل قال أنت لا تتكلم من جهة نفسك، هناك قوة أنت لا تشعر بها هي التي تتكلم عنك، وما أنت إلا مجرد آلة تسجيل. لماذا لا يُفسر هذا التفسير؟
لو جاء جبري مثلًا من الفلاسفة -لا أتكلم عن الجبرية الإسلامية- وقال بأن كل حركاتنا هي مجبرة من قوة أخرى هي تسيرنا لكن نحن لا نشعر بها ونتوهم أننا نفعلها من جهة أنفسنا. هل يمكن لهذا أن يُقال أم لا يُقال؟ ممكن. ولو جاء واحد آخر وقابله في المقال وعارضه مائة بالمائة وقال بأن الإنسان لا يتحرك إلا من جهة نفسه، لا يوجد أي تأثير عليه لا بعلم سابق ولا بقوة سائقة، لكان قوله يحتمل الصواب مائة بالمائة.
إذًا ما الذي يجيبنا على من نحن؟ لا بد أن يجيبنا من خلقنا.
فلما نأتي لقول أفلاطون ومنه أخذ أصحاب النظرية التي قلنا عنها التي أخذها الفلاسفة المشّاؤون بأن العلم تذكر والجهل نسيان. ما معنى هذه الكلمة؟ أن هناك عقل كلي، هذا العقل الكلي موجود في داخلنا قبل أن نُولد، فلما ولدنا بصدمة الحياة نسينا. وإلا فمعنى المعرفة في داخلنا موجود لكن لما صدمنا بالحياة عدنا إلى الجهل، فالجهل نسيان والعلم تذكر.
ونظرية الفيض الإلهي كما يسميها الصوفية هي هذه النظرية، يفيض عليه من العقل ويفيض عليه من المعرفة، لكن كما ذكر ابن تيمية يصبغون المعاني الفلسفية بألفاظ شرعية (فيض إلهي) . فهم يقولون إنما العلم تذكر، أنت تذكرت ما كنت ناسيًا إياه. جاء القرآن ليقول لنا {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} . لا يوجد عندنا معنى علم ولا غيره، مجرد جهلة، وإنما نستفيد المعارف من خلال الخبر أو من خلال التجربة. وكل علم له مصادره، إما الخبر وإما التجربة.
إذًا هناك طريقة هي الحق، وهو أخذ المعارف وإجابة الأسئلة الوجودية عن طريق الوحي، أننا لا نعرف شيئًا. فجاء القرآن الكريم الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من عند الله، جاء ليجيب على كل الأسئلة الوجودية ويعطي التفصيلات التامة لمن نحن وما هو الكون. وبدأت أول سورة في الحديث عن أصناف الناس أمام النص ثم بدأت في الحديث عن هذا الإنسان {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} حدثتنا كيف نزلنا، وكيف السماء، حدثتنا عن أمور لا يعرفها الإنسان.