فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 715

يعني من الذي يستطيع أن يقول لنا أن هناك ثمة أخبار لأبينا كانت في السماء قبل نزول الأرض. كل من يتحدث عن تاريخ البشرية يتحدث عنها إما بخبر وإما بتوهم، والخبر قد يكون صحيحًا وقد يكون خطئًا. ولكن القرآن يحدثنا أن هناك تاريخا بشريا عاشه الإنسان في السماء قبل النزول. من الذي يستطيع أن يجيب على أن ما يحدث في نفسك من واردات لا تكون كلها من جهة نفسك بل هناك دسيسة أخرى موجودة في قلبك ودمك وهو الشيطان. لو لم يوجد النص كيف نستطيع أن ندركه؟

فإذًا الطريقة المعرفية الأولى للإجابة على الأسئلة الوجودية هو الخبر الغيبي ممن خلق، وهذا الخالق عظيم، عليم، حكيم، إلى آخر ما جاءت من أوصاف قرآنية تليق به جلّ في علاه.

هناك طريقة ثانية لمعرفة الحقائق وهي التفكر. وأثبتت هذه الطريقة أنها لا يمكن أن تنشئ ظنًا وليس يقينًا؛ لأن المرء يقول القول ويرجع عنه غدًا. هذه هي الطريقة الفلسفية، فالطريقة الأولى هي طريقة الوحي والنبوة وهي ضرورة. الطريقة الثانية وهي طريقة الفكر والتفكر وهي طريقة الفلاسفة. العجيب أن هذه الطريقة لا يوجد فيها اطمئنان، بمعنى لم يقل أحد قولًا إلا جاء تلميذه ونقده في أسس مذاهبه؛ ما قاله أرسطو غير ما قاله فلان غير ما قاله فلان آخر وهكذا إلى يومنا هذا ما تأتي من أمة إلا ولعنت أختها وسبّت من قبلها {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} .

لا يوجد قول لفيلسوف ولا لمنطقي في باب إلا وقد نُقض في بابه، وبالتالي الذين انتسبوا للإسلام بهذه الطريقة قرّروا أنهم في شك، حين ينظرون إليها يجدون أن القول يمكن أن ينشأ منه نقيضه، كما أن الحق ينشئ حقًا يدعمه كذلك الباطل ينشئ باطلًا ينقضه. فالطريقة مثل طريقة المتكلمين وتاريخهم، هو تاريخ صراع، وتاريخ سباب، وتاريخ نقد، ولم ينشأ عندهم شيء من اليقين الذي يطمئنون به. هذه نقطة.

النقطة الثانية فيهم أنهم كانوا أبعد الناس عن واقع الناس؛ لأنه لم يثبت في التاريخ أن أمة قامت على منهج فلسفي، يوجد هناك نشوق فلسفي ولكن لا بد من سلوك، وهذا السلوك لا ينشئ حضارة. يعني لا أرسطو أقام دولة، ولا سقراط أقام دولة، ولا فلاسفة الإسلام أقاموا دولة، بل طوال عمرهم على هامش الحياة، وخطابهم أعلى من أن يفهمه الناس زعمًا بأنهم أصحاب خصوصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت