لا يهم الغزالي هنا ما هي الحقائق التي يصل إليها هؤلاء، إنما يهمه أنهم يعيشونها وهم صادقون، ويبذلون الجهود العظيمة الشاقة التي توصلهم لهذه الحقيقة، وهو مبهور بهذه المجاهدة. هذا السهر، هذا الجوع، هذه الخلوة، هذا المشي في الصحراء بغير ركوة من ماء ولا غذاء ولا طعام، هذا رجل يعيش سبعين عامًا على البقوليات في الصحراء، هذه بهرته مع أنه عقل صارم حديدي، إلا أن السلوك الصوفي لا يوجد في الإسلام فقط.
هذه السلوكيات كما تعرفون موجودة في غير الإسلام. يعني تذكيرًا بثاني كتاب قرأناه هو ماذا خسر العالم، عندما يأتي أبو الحسن الندوي عليه رحمة الله إلى الممارسات المسيحية في التصوف، أن هناك عابد صوفي، وعابد صوفي مسيحي. كما أنه يوجد عابد صوفي مسلم يوجد عابد صوفي مسيحي، وكل واحد يمارس العبادة تحت ظل دينه. مثلًا السهر ماذا يُسمى في ديننا؟ قيام الليل. الجوع؟ صيام. الخلوة موجودة وهي قضية العزلة.
لكن هذا الذي رآه صارمًا، ورآه مهمًا، ورآه يعالج ما يريد أن يكسر نفسه على قاعدة التصوف"أريد ألا أريد"، يريد أن يكسر شخصيته. مرات أفكر كأن حالة الغزالي أشبه بهذا الذي يعيش في الغرب وبلغ الزبى في تحصيله كل ما يريد، وبعد ذلك ماذا يريد. فماذا يفعل كثير منهم؟ ينتحر، لكن كثير منهم يذهب إلى مذاهب الغنوص. تجده يذهب إلى الهند ويأخذ أديانهم ويحبها ويتغير ويلبس لباسهم ويمارس طقوسهم لأنه يبحث عن شيء ما، وإلا يذهب إلى الحشيشة وإلى المخدرات، أو أن يتصوف.
والعجيب جدًا أيها الإخوة الأحبة أن كثيرًا من المفكرين انتهى أمرهم إلى التصوف، بعد أن ظنوا أنهم قد بلغوا الغاية من إدراك الحياة ومعانيها المادية الظاهرة، كحال الغزالي وهو يظن أنه قد بلغ الغاية في الفكر والنظر عن طريقة المتكلمين وعن طريقة الفقهاء وعن طريقة الفلاسفة وعن طريقة الباطنية فلم يجد شيئًا، وجد كلمات فقط تتردد وهو يريد أن يحس.
يعني مثلًا إذا سمعتم بمؤنس الرزاز وهو رجل غريب جدًا، هو رجل قومي أبوه منيف الرزاز الشهير القائل بالبعث صاحب كتاب التجربة المرة. وهو رجل لا يمت للدين بصلة ولكنه ملّ من الأفكار وكل يوم كان يكتب، وهو صاحب قص معروف، وكان له دائمًا عمود في إحدى الجرائد الأردنية، ففي النهاية أُصيب باكتئاب شديد، فدُلّ على بعض مشايخ التصوف. يريد أن يحس هذا، يعني كالذي ذهب إلى المخدرات. هذه حالة موجودة.