وكأن الشيطان وهو أستاذهم الأوحد في هذا الباب بأن من يصل إلى المعرفة المزعومة، -وقلنا المعرفة في الطريقة الأولى تصل للمعرفة عن طريق الوحي والنبوة، الثانية عن طريق العقل والتفكر، الثالث عن طريق الكشف- ما هي نهايتها؟ الوصول إلى وحدة الوجود، وأن يذوق الكلمات.
أحدهم يقول: ولقد ذقت الألوان. صار يتذوق الألوان، لا يكفي أن يعرفها ويراها أخضر كما تراه أنت، ولكن هو يذوق هذه الألوان. ولكنها في موضوع الربوبية تصل إلى حقيقة واحدة وهو القول بأن الله هو عين هذا الكون، لا يوجد رب وإله إلى آخره.
ونجد أن أصحاب العرفان يصلون إلى هذه المقالة منهم من يصرّح بها، أن الله هو هذا الكون وأن الكون هو عينه الله، وهي نفس المذهب الشيوعي، القول بأن الله هو عين هذا الكون هو القول بأنه لا إله والحياة مادة. يعني بأن الله هو المادة وهو كل شيء، نفس النظرية ونفس الطريقة. فإذًا الذي يقوله هؤلاء حينئذ يصل إلى حقيقة واحدة وهو الوصول للمعرفة عن طريق الكشف.
هذه الطريقة غريبة، ولكنها كما ترون لذيذة. فحين يصبح المرء ذواقا للكلمات فهو يشعر بالبهجة والمتعة. ويكفي أننا نرى شخصية كالغزالي كبيرة في عقلها، قوية في أدواتها الصارمة العلمية المناظرة، لكنها تسقط فيها، بحيث يقول إنه لا يوجد أحد ممن عاشرتهم يعيش معاني ما يعتقد إلا الصوفية. هم يعيشون المعارف حقيقة. المتكلمون يعيشون ألفاظًا، ولهم كذا وكذا من السلوكيات، وكأن الغزالي بالفعل مفعمٌ بقضية السلوك، وهو رجل جدي.
هذه حقيقة يجب أن تُثبت لهذه الشخصية للغزالي أنه رجل جدي لا يأخذ الأمور بلعب ولا بلهو ولا بمتعة فكر، إنما هو يريد أن يحس المعاني، ولما يقرأ الفقه ينظر للفقهاء يعيشون غير الفقه الذي يتكلمون عنه. لما يأتي للفلاسفة يتكلم عنهم سلوكيًا وعقليًا إلى آخره.
الآن نأتي للباطنية، لأنه كان ينبغي أن نقدم قبل الكلام عن التصوف الذي انتهى إليه الكلام عن الباطنية؛ لأنها جزء من معارف عصره التي تكلم عنها في المنقذ من الضلال. لكن لما يأتي إلى الصوفية يقول هؤلاء يجاهدون حقيقة نفوسهم لأن تصل المعارف إلى قلوبهم وأحاسيسهم وبالتالي هم أهل الحق.