فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 715

والذوق هو فوق المعنى. المعنى هذا شيء يشترك فيه الناس بحسب قدراتهم اللغوية، ولكنهم يتحدثون عن الذوق الذي به يتم كشف حقيقة اللفظ. هناك طوائف متعددة في كشف هذه الطرق، ولكن متصوفة المسلمين يرون كشف الحقائق عن طريق ما يُسمى الكشف وهو الذي يعبرون عنه بلفظ"من ذاق عرف".

وهذا الذوق هو أن يُكشف لك الحجاب، فلا ضرورة للحديث عن الملائكة، كلمة الملائكة هذه غير كافية، لا بد أن تذوق هذه الكلمة، الذوق بأن يُكشف لك حقيقة الملائكة وأن تراها. لا يُقال لك قال الرسول، هذا كلام، لكن ينبغي أن تراه. مع تصورات ذهنية ينتهي بها المرء إلى حقيقة واحدة وهي الجنون كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله- كما نقل ابن الجوزي في اختصاره لحلية الأولياء أن الشافعي قال ما تصوف رجل أول النهار وانقضى عليه اليوم وهو كذلك إلا وهو مجنون.

إذن الطريقة الثالثة وهي طريقة ذوقية وفيها كثير من السحر.

والغزالي له كتب تربوية، أنا أنصح مثلًا بكتابه (أيها الولد المحب) ولكن لا يُقبل منه مثلًا أن يقول فيه أو في كتاب آخر لا أذكر الآن حينما يقول بأنه لا يُنصح للمريد المبتدئ أن يقرأ القرآن لأن القرآن يفرّق جِمعيته. كلمة جِمعيته هذه لها شرح عند الصوفية؛ لأن المقصود هو اتحاد الذهن لشيء معين، كي ? يتفرق ذهنك بأشياء متعددة، والقرآن يفرق ذهنك في الحديث عن الشرائع وعن الغيب وعن الوجود وعن كذا وكذا، فيفرق جِمعيتك، فينبغي أن تكون جِمعيتك متجهة إلى شيء واحد حتى تصل إليه، فبعد ذلك تنحل عندك بقية المسائل والمشاكل.

أقولها وأجري على الله أرجو ألا يُعتب عليّ: يقول الغزالي كيف لك أن تذوق المعاني وهل الألفاظ تقرب المعاني؟ قال هب أن رجلًا طُلب منه وصف الجماع، ماذا يقول؟ حلو؟ جميل؟ رائع؟ لذة؟ كلها لا توصل المراد، وأظنه يحاول أن يقرّب ما معنى ذوق الكلمات، فهذه الكلمات لا تفيد ولكن لا بد أن تذوقها، أن يُكشف لك الحجاب.

والكشف موجود في كل تاريخ البشرية يرافق المذاهب والأفكار، وبعضهم يقول به قولًا جزئيًا، وبعضهم يقول به قولًا كليًا. ولكن هذا المنهج (الصوفية، الغنوص، العرفان، الإشراق) كلهم يكشفون حقائق ما يعتقدون به، دلّ على أن الكشف باطل. يعني من قال بصورة من صور الربوبية فكُشف له، الكشف يؤيد ما يعتقده. فصحيح الكشف وسيلة واحدة، ولكن ما يُتلقى عنه مختلف. لكن الغريب أن الجميع منذ أن رُصدت ظاهرة التصوّف، أو الغنوص، أو الإشراق، أو العرفان، منذ أن كُشفت وأصحابها يقولون بوحدة الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت