والباطنة كانت منتشرة في عصره فعرّج عليها، وهذه الباطنية في الحقيقة هي معالجة لقضية النص الآخر، فالفلسفة هي إنتاج نص، لا تعتمد على الآخرين. الوحي هو تلقي نص، لا ينتج نصًا، يتلقى الناس النص فيفهمونه. الصوفية كما ترون هي أن يذوق النص، ولكن الباطنية هي تفسير النص، لكن لسطوتها في عصره فجعلها منهجًا مستقلًا.
ما هي الباطنية؟ عماد الباطنية بأن ظواهر الألفاظ غير مرادة، ولا يقدر أحد على تفسيرها إلا الإمام، إلا أناس خاصة، وأن كل لفظ له ظاهر وباطن، وأن الباطن قد يخالف الظاهر، ولا يمكن معرفة هذا الباطن إلا بأن يخبرك إمام به. فبلا شك أن الشيعة الروافض يجعلونه إمامهم، والسبعية الإسماعيلية يجعلونه إمامهم.
القصد أن هذا المذهب كان منتشرًا، لأن الإمام هو باب المعارف. ومن هنا نشأ حديث الضلال أنا مدينة العلم وعلي بابها، وهذا باطل. وهو على المعنى الظاهر بأن تأخذ العلم من طريق علي، لكن في الحقيقة معناه الذي حُمل عند واضعي هذا الحديث ومن مارسه بأنه لا يمكن أن تلج معاني هذه النصوص التي جاءتك من النبي إلا من خلال تفسير الإمام، وكل زمن له إمامه الذي يفسر، وبالتالي تنشأ الأهواء التي يُنتهى بها من أقوال هؤلاء.
يعني عندما يسبون عائشة يبحثون عن أي كلمة فيها سب في النص على شيء كقول الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} قالوا المقصود عائشة. يمكن أن يقول لك هذا، ويمكن أن يفسر لك النص كما يحب، كالصلاة مثلًا يفسرها معرفة الإمام، الصوم هو هجران أعداء الإمام، هكذا يفسرونها تفسيرات باطنية باطلة كما تعلمون.
أرجو أيها الإخوة الأحبة وقد أطلت عليكم أن أكون قد أتيت إلى ما يمكن أن يكون كافيًا إن شاء الله تعالى، مع أن كل كتاب وأنا أعيد وأكرر لا يكفي أن تقرأه من كلامي، اقرأ الكتاب نفسه وعرّج على ما يقوله الآخرون، فإن شاء الله تصب المراد وبارك الله فيكم.
الكتاب القادم إن شاء الله تعالى هو كتاب رسائل إخوان الصفا.