إنّ انحسار تأثير هذا الكتاب في النّاس وفي المجتمعات؛ بسبب مراد أصحابه. أصحابه قالوا هذا العلم الّذي نبثّه في هذا الكتاب هو علم خاصّ ولا يليق بالدهماء، ولذلك علينا أن نختار النّاس الّذين لهم استعداد لهذه العلوم. من هم هؤلاء النّاس؟ هم يصفونهم أنّهم أصحاب حكمة، وأنّهم أصحاب تربية أخلاقية، وأنّهم أصحاب تميّز عن بقية البشر. ويصفون أنفسهم بالأطباء، وهذا سنأتي إليه لأنّه مهم. فلذلك هذا الكتاب بقي تأثيره خاصًّا.
العجيب أنّ هذا المقصد انقلب إلى الضدّ، بمعنى أنّهم أرادوا لهذا الكتاب ولهذه المعاني -وسنبيّن من هؤلاء-، أنّهم أرادوا أن يكون هذا العلم علم خاصّة وأصحابه أهل تميز. العجيب أنّ الّذين انتشر فيهم هذا العلم هم أجهل الخلق، وهم أهل البداوة والجبال! ولم ينتشر في المدن وهي حواضر الإسلام الّتي ينتشر فيها العلماء. وهذا يذكّرني بالشيوعية فورًا، كيف؟ الشيوعية تزعم أنّها خلاصة الفكر الإنساني.
كانت الفلسفة قبل الشيوعية فلسفة مثالية، جاء هيجل وضعها على خطّ الفلسفة المادية ثمّ جاء ماركس أوجد لها حججًا تاريخية وزعم أنّ هذا خلاصة البشرية.
العجيب أنّ خطابهم لم يكن موجهًا إلى العقلاء والعلماء والأذكياء، كان موجهًا إلى الجهلة العمّال، وأين العلماء؟ في غياب. ولذلك الّذي يريد أن يتعالى على الخلق وأن يتعالى على النّاس في الخطاب؛ سينقلب الأمر إلى ضدّه.
والعجيب كذلك أنّهم جعلوا هذا الكتاب، حتّى لا نُغرّ بالعناوين والشعارات، الّذين جعلوا هذا الكتاب خاصًّا لأناس ارتقت أخلاقهم وصفت نفوسهم حتّى التقت بالعقل الكلّي في ممارساتها وسلوكها، لمّا يأتي خصمهم اللدود الحريري، كما وصفه أبو حيّان التوحيدي في خصومة هذا الرجل لإخوان الصفا ولأصحاب إخوان الصفا، يبيّن أنّهم من أفجر الخلق وأقلّ الناس التزامًا بالشريعة؛ فهم أهل زنا ودعارة، وهم أهل سرقة ولصوصية وهم يمشون مع كل ناعق ولا يتركون طاغية إلّا ويكونون أحذية له، ولم يحدثوا أيّ أثر أخلاقي في حياتهم ولا في حياة من ينتسب إليهم.
فانظر كيف انقلب الأمر في شقيّه إلى ضدّ ما أرادوا. أرادوا الفكرة أن تكون خاصّة لأهل الحكمة فكانت في أهل البداوة والجبال. من الّذين انتشرت فيهم القرمطة؟ -وسنبيّن أنّ هذا الكتاب كتاب قرمطة-، أهل البداوة والجبال. ولم ينتشر قطّ هذا الدين الإسماعيلي القرمطي السبعي الباطني بين أهل المدن، ودولهم قامت على الأطراف. يعني قلعت آل موت الّتي هي في