فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 715

إذا قصد العمل بمفهوم السلف، وهو عمل القلب والنفس فهذا صحيح، وإن قصد بالعمل أي المقصود به كما يقصد به عوام اليوم الجوارح فهذا خطأ؛ فالقلب له أعمال، وهذه الأعمال هي أهمّ من أعمال الجوارح، وإذا لم تكن أعمال القلب سليمة تامّة، فأعمال الجوارح ستكون كذلك؛ لأنّ أعمال الجوارح هي الظلّ لأعمال القلوب.

وبالتالي هذا الكتاب له أثر في دراستك وفهمك للحياة، وعلى طرق تعلمك للخصوم. وهذا الكتاب قبل أن نشرع فيه هو ضمن القاعدة القرآنية: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ} ، فمعرفة سبيل المجرمين واجب شرعي كما يريد الله -سبحانه وتعالى-، وأنتم تعرفون الحديث الّذي في مسند أحمد بسند صحيح أنّه لمّا قدم عديّ بن حاتم على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وعديّ من طيّء، وطيّء قبيلة فيها اليهود وفيها النّصارى وفيها المشركون؛ لأنّها على تخوم الجزيرة مع بلاد الشام. ولذلك أهل اللغة لا يحتجّون بها؛ لأنّ لغتها دخل فيها العجمة، فلا يقبلونها ويعتبرون لها فرائد في اللغة.

فعديّ بن حاتم كان على مذهب نصراني منفرد، وهو دين في النصرانية يُسمى الركّوسية. فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: (يا عديّ، أو لم تكن تسيرُ في قومِك بالمِرباعِ) . قال: أو تعرف ديني؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إنّي لأعلم بدينك منك) .

فهذا هو النموذج. وهو نموذج نبويّ، وهو أن تكون عالمًا بمذهب الأقوام الآخرين، حتّى إنّك لتعرف مذهبهم أكثر منهم. وكما ذُكر هذا عن ابن تيميّة أنّه لمّا ناظرهم قال:"وأنا أعلم بمذاهبكم منكم". فمعرفة مذاهب الناس بالنسبة للعامل في دين الله أمرٌ ضروريّ؛ لأنّ مناهج النّاس ولأنّ حركات الناس هي ظلٌّ لعقائدهم.

يعني أنت لا يمكن أن تفهم الآخر كيف سيتصرّف التصرّف الآتي القادم من لحظته المعاصرة؛ حتّى تكون عالمًا بدينه، عالمًا لما هو فيه، ما هو اعتقاده؟ فإذا علمت اعتقاده فهمت تصرّفه، وإذا جهلت اعتقاده جهلت تصرّفه الّذي ذهب كيف تفسّره، والآتي كيف تتوقّعه. فإذا فقهت دينه وعلمته على الوجه الصحيح علمت تصرّفه كيف وقع، وتوقّعت تصرّفه كيف سيكون.

وبالتّالي، إنّ معرفة عقائد الناس ضرورة شرعية، وهي فوق ذلك ضرورة دينية، وفوق أنّها عقدية شرعية هي قدرية فهي ضرورة للحياة. وأنتم تعلمون أنّ الغرب قد استفرغ الوسع في هذا، فالغرب استفرغ وسعه في فهم ديننا. هذه القراءات الّتي تقدمت للمستشرقين لديننا، استوعبت تاريخ الأمة، واستوعبت فرقها، واستوعبت واقع العشائر والقبائل والمناطقة، واستوعبت الجغرافيا، ومن قرأ سير وأخبار وقصص الرحّالة الغربيين في بلادنا رأى العجب العجاب. أنا تفرّغت مرّة لهذا الأمر فوجدت الغرائب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت