يجعلك مقتنعًا دون أن تناقش الفكرة. فنفس الشيء يقول:"لو أزلنا هذه البهارج، وجمال العرض، وجمال العبارة، والتسويقات، والمؤثّرات غير الموضوعية الأخرى المحيطة بها؛ فإنّا لو جرّدنا الكتاب عن هذه المؤثّرات لما اقتنع بها طالب علم في التوجيهي". ولكن أنت الذي يهمّك الجمال الّذي يدور حولها.
وهنا يأتي دور الثقافة العامة المتّسعة الّتي تخدم الفكرة، وتجعل الآخر يستفيد حتّى ولو لم يقتنع، في النهاية وجد مادّة أنت تطرحها. وفي الحقيقة عليّ شريعتي في هذا أستاذ، خاصّةً في هذا الكتاب، وهو أفضل كتاب له، وأوسع كتاب له وإن كان حتّى ألّف قصّة ومسرحية.
فهذا الكتاب يدلّ على هذا الاتّساع الهائل في قراءته لتاريخ الفلاسفة عنده، وتاريخ الشعراء، وقراءته للفكر الغربي وهو متبحّرٌ فيه، وحتّى في كتابه هذا ناقش ما يُسمّى الأيدولوجية الماركسية، يعني حاول أن يجرّد الماركسيين من فهمهم للماركسية، وبلا شكّ أنّه استخدم أسلوب الالتواء! والفلسفة الماركسية هي أيدولوجية؛ لأنّه لمّا يصل لدرجة أن يجعل ارتباطها بالتاريخ، وحركات التاريخ، والحتمية التاريخية؛ فلم تعد مجرّد رُؤى واستنتاجات، وصارت شيئًا مرسومًا حتميًا أنت تملكه. ولكن هذه المناقشة في آخر الكتاب -وهي مناقشة ممتازة أنصح بقراءتها- حين يناقش الماركسيين، يقول لا يوجد شيء اسمه أيدولوجية ماركسية! وكأنّه يريد أن يقول إنّها صُنعت من أجل خدمة الحزب والمؤسّسة التي تبنّت الماركسية، وهذا شيء معروف.
الأمر الّذي يهمّنا كذلك في قضيّة عليّ شريعتي أنّ فهمه لدراسة الظواهر الكبيرة الّتي يعيشها فيها شيءٌ من الغَبَش. وهذه يقع فيها أمثاله ممن فقدوا معايير الحكم القرآني على الحوادث! هذه قضيّة أرجو أن نعتني بها قليلًا لأنّ هذه نحن بحاجة إليها. اليوم ربّما يكون الكلام مختصرًا كثيرًا؛ لأنّ هذا الكتاب كلّ صفحة فيه أفكار متعدّدة، فمن الصعب أن نجمّع لكثرة وتشتّت الأفكار. لو أردت أن تقول ما في الكتاب؟ أقول لك هو يتحدّث عن العودة إلى الذات كما شرحت، ويتحدّث عن المفكّر الملتزم بغضّ النظر عن عقيدته، وبغضّ النظر عن دينه وعن إلحاده إلى آخره. هذا ما يريده الكتاب وخلاصة ما فيه، لكن الكتاب ليس ذلك فقط.
عليّ شريعتي وقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه مالك بن نبي تمامًا. نحن قلنا وإن كنا لم نأت بعد لمناقشة مالك بن نبي في كتاب خاص له، لكن لما قرأنا كتاب (الفكر الإسلامي المعاصر) لغازي التوبة، رأينا نقده وإن كان