من المهم جدًا قبل أن تقرأ نصًا أن تعرف كاتبه، وهذه القضية مُسلَّم بها لأسباب كثيرة؛ منها أن النص قد يعجز بذاته عن الإبانة عن مراد صاحبه حتى تعرف الكاتب كله في شخصيته، وعماد صورته. كل إنسان له عماد الصورة، عماد الصورة هي الفكرة المكوِّنة له، أو هي العقيدة التي تنبثق منها أفكار هذا الرجل، وتنبثق منها كلماته وكتبه. وقد تشتبه كلمات الكاتب في مراده وتشتبك، فلا بد أن تعرف من الذي يقول هذا الكلام، حين تعرف الكاتب تستطيع أن تغوص وتغور في مدارك ما يقول هذا الكاتب، هذه قضية ملتبسة مُشكلة؛ نحن نقول: عليك أن تعرف الحق دون أن تعرف رجاله، كما قال الإمام علي-رضي الله عنه-، وقد جُودل في مسألة خلافه مع عائشة وطلحة والزبير، قال:"لا يُعرف الحق بالرجال"، إنما قصده أن يقول إنما يُعرف الحق بالحق، اعرف الحق تعرف أهله.
إذًا القضية الأولى بالنسبة لنا هي أن تقرأ النص بعيدًا عن كاتبه، وهنا أفتح قوسًا وأقول: (بلا شك أن هناك شيئًا اسمه"علم النفس الدليل"؛ سيكولوجية الدليل) ، وهذه أنا أضطر إليها، وكل كاتب يضطر إليها، وهي إحدى تطبيقات قوله -سبحانه وتعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} ، من لسان قومه أن تعرف الشخوص المؤثِّرين في هذا الإنسان من أجل أن تطرُق الحق الذي يغيب عنه من خلال ما يعرفه ويحبه.
أتكلم عن نفسي؛ أحيانًا أعرف نصًا للشافعي، لا أقول قاله الشافعي، وأعرف أن ابن تيمية قد قاله، وأنا أعرف الناس، فأقول:"قال ابن تيمية"، مع أنه ليس بأجلّ من الشافعي في شيء، لا يقارب ابن تيمية الشافعي في أي باب من أبواب المعرفة الدينية، لا في العربية، ولا في الأصول، ولا في الفقه، ولا في الحديث، لكنني أضطر أن أقول:"قال ابن تيمية"لأني أعلم أن الذي أمامي مفتاح قبوله للكلام أن يُمهَّد له بذكر ابن تيمية. يعني لما أريد أن أُفتي في موضوع صدقة الفطر أنه يجوز أن تُخرج مالًا، لا أقول:"قال أبو حنيفة"؛ لأني لو قلت: قال أبو حنيفة ستجد الناس تقول: من أبو حنيفة؟!، لكني أضطر أن أقول:"قال ابن تيمية". فيبدأ الجدال؛ الأول يجادل بالقول هل أصاب أبو حنيفة أم أخطأ، لكن عندما تقول:"قال ابن تيمية"يبدأ الجدال في منطقة أبعد من هذه النقطة؛ وهي: حقًا قال ابن تيمية هذا الكلام؟ لأنه يريد أن يتوثَّق أنه قاله، فإن قاله فإنه لا يُناقش، بخلاف النقطة الأولى فهو يناقش من أجل أن يعرف كيف يرد على القائل، هذا اسمه"علم نفس الدليل".
الآن لو قلت:"قال عبد الرحمن بن مهدي في حديث أنه ضعيف"، يقول القائل في نفسه: من عبد الرحمن بن مهدي؟ فهم غائم في ذهنه، لكن لو قلت له: قال أحمد، أو قلت: صححه الألباني، فكأنه فوق مستوى النقد!.