إذًا كيف نوفِّق بين ضرورة معرفة القائل، وبين أن النص يحمل سِمَته بنفسه؟ لا بد أن ينشأ لدينا علم الجرح والتعديل كما نشأ عند أئمتنا، وهو العدل؛ وهو أنه لا بد أن نُفرِّق بين النص وقائله بميزان.
الناس لا يعرفون أن كتب العلماء هي كتب منهجية، حتى وهم يُرتِّبون الروايات، أفتح فقط رَوْزَنَة -نافذة صغيرة- على طرق كتابة العلماء السابقين لكتبهم المبنيَّة على الرواية، يأتي الجاهلون ممن لا يعرفون قيمة السلف، ولا يعرفون عقولهم، فيرونها كتب رواية، فقط هم نَقَلَة، إذا جاء الرجل إلى كتاب (تفسير الطبري) لا يرى فيه عقل الطبري، هكذا يظن، لا يرى علمه، يرى حفظه، لا يرى عقله، لا يرى إبداعه، يرى فقط أنه حافظ، انظر إلى حفظه، انظر إلى سعة اطلاعه، انظر إلى جمعه لروايات المفسرين السابقين، ولا يرى منهجًا!.
وهذا من الانحراف؛ فالاختيار منهج، كان عند علماء الحديث شيء يسمى"الانتقاء"أو"المُنتَخَب"، -يُرجع إليها في كتب المصطلح-، ما معنى المنتخب؟ ما معنى الانتقاء؟ الانتخاب والانتقاء هو منهج نقدي صارم، هو إعمال هذا المحدِّث لأعلى درجات النقد لترتيب وسَوْق الأحاديث.
عندما يأتي واحد ويقرأ (سير أعلام النبلاء) ، هذا الكتاب تجده في عامة مكتبات الشباب، ويقرأونه ولا يرون الذَّهبي فيه، يرون أخبار السابقين، لكن لا يرون المصنِّف ومنهجيته، وعقليته فيه؛ السبب لأنهم جهلة ولا يعرفون المادة التي أنشأت هذا الكتاب، كيف قَبِل الذهبي هذه المادة ورفض غيرها مع أنها عنده، هذا منهج.
عندما يأتي الذهبي في (سير أعلام النبلاء) ويقول عن رجل: أنه العاقل الذكي الألمعي، وهو مع ذلك من القائلين بكذا وكذا من العقائد البدعية الجبرية؛ هذا التمايز في قراءة الشخص هو ما نحتاجه هنا، ما الذي أبدع فيه، وما الذي أخفق فيه. طريقة الكيل بمكيال واحد لا تنفع في قراءة الشخص، قلنا أن النص له قراءات، والآن نقول: الكاتب له قراءات؛ يجب عليك أن تعرف ما الذي تأخذه من هذا العالم، ما الذي ترده، ما الذي تقبله، ما الذي ينفعك فيه، وما الذي لا ينفعك فيه، هذه طريقة أهل الحديث في افتراق النص عن كاتبه.
يجب أن تفرِّق بين النص وبين كاتبه، بحيث تقرأ النص قراءة منفصلة عن بقية مكونات هذا الكاتب، ولذلك أنا أعلم أني عندما أقول:"قال الجاحظ"أعرف العقل الإسلامي المتخلف، خاصة العقل السلفي المعاصر، كلمة"الجاحظ"تثير الاشمئزاز لما