تناسبهم من مديح لهم وهجاء لاعدائهم، فلما عمت النزعة الديمقراطية العالم لم تؤثر في الأدب العربي أثرها في غيره من الأداب، بل ظل محتفظًا إلى حد ما بأرستقراطيته، وهذا قلل من غير شك اتصاله بالذوق العام للأمة. وقد نعود إلى توضيح ديمقراطية الأدب في مقال تال.
على كل حال لا وسيلة لترقية الفن ومنه الأدب إلا بترقية الذوق، وربط الفن به، ولذلك وسائل:
من أهمها التأذين في الناس بصوت عال يهزهم هزًا عنيفًا حتى يشعروا بأن أذواقهم مريضة، لا يشعرون بالجمال كما ينبغي ولا يهيمون بالحسن كما يجب، ولست اعني جمال الوجوه وحدها، ولكن جمال الأزهار، وجمال الطبيعة، وجمال الموسيقى، وجمال الحركة، وجال النظام، وجمال النظافة، وجمال المعاني، ويجب أن لا يقتصر دعاة الفن على الدعوة لجمال الكرنك وأنس الوجود والمساجد الأثرية بل يجمعون إلى الدعوة لجمال الماضي وجمال الحاضر. وهذا أكثر وضوحًا في الأدب فدعوة الأدباء دائمًا وقول الأدباء دائمًا انما هو إلى الماضي وفي الماضي، وهذا حسن لدرجة ما ولكن يجب أن يقرن به الدعوة القوية أيضًا إلى النظر إلى أنفسنا والقول في أنفسنا.
يجب أن نغير تسعيرة الأشياء، ونضع تسعيرة جديدة لما يدور حولنا، ونضع أمام ناشئتنا قيمًا جديدة لما يقع عليه نظرهم، فإذا كانت بيوتنا تعنى بكمية الأكل وتعطيها أكبر قيمة، وجب أن نرفع قيمة الكيفية فنضع قيمة كبرى للأزهار على المائدة ولجمال الترتيب والنظام ولجمال الحديث.
يجب أن نوجه إرادتنا في ترقية الذوق كما نوجه إرادتنا لترقية العلم وترقية النظام السياسي، ونضع للذوق برامج كالتي نضع لبرامج التعليم.
إنا إن فعلنا ذلك تمخض المجتمع عن فنان ماهر، وأديب قادر.