يسهل الاتصال الشخصي ويسهل كذلك تفهم ما يصدر عن أهل تلك الثقافة من إشارات وتعبيرات لا تفسرها الأجانب من أصحاب المصالح تفسيرًا خاطئًا قد يخلق - في المجال السياسي مثلًا - مشاكل لها ذيولها على صميم العلاقات الجوهرية بين البلدين.
والواقع أن وزارات الخارجية في كثير من الدول الكبرى تقوم الآن بالإنفاق في سخاء على مثل هذه البحوث لتوفر لمبعوثيها الدبلوماسيين ورجال السياسة والحرب مثل هذه الدراسات النافعة التي تسهل لها مهمة اتصالها مع ممثلي الشعوب الأخرى؛ سواء في المجال الرسمي أو شؤون الدعاية أو التبادل التجاري.
فقبل خمس سنوات مثلًا كلفت وزارة الخارجية والحربية في واشنطن الدكتورة روث بنديكت أستاذة علم الأنتروبولوجيا في جامعة كولومبيا بنيويورك بدراسة الثقافة اليابانية على أساس من علم الأنتروبولوجيا لترى ما إذا كان من المناسب لمصلحة الاستقرار السياسي والعسكري في اليابان - من وجهة النظر الأمريكية طبعًا - أن يظل الميكادو عاهلًا لليابان أم أن إبعاده عن العرش هو خير أو أبقى، فأوصت الدكتورة بنديكت بوجوب بقاء الميكادو وبوجوب القيام بإجراءات عديدة كلها تستند إلى الدراسة الاجتماعية. وقد نفذ الجنرال ماك آرثر حاكم اليلبان العسكري آنئذ جميع تلك التوصيات فحاز نجاحًا حفظ للمصلحة الأمريكية في اليابان معظم نواحيها الهامة.
وعلى سبيل المثال أيضًا في أهمية هذه الدراسات الأنتروبولوجية في خدمة سياسات الدول؛ ما حاولت حكومة إسرائيل القيام به منذ بضعة أشهر حين وضعت تحت تصرف أحد كبار أساتذة علم النفس الاجتماعي (وهو يهودي أمريكي) مبلغًا كافيًا من المال لتأليف بعثة من الباحثين من اليهود الذين يحملون جنسية أمريكية ومن بعض الأتراك لزيارة شتى بلدان الشرق العربي لدراسة عادات أهله وتقاليدهم دراسة مباشرة لمعرفة مدى العوامل النفسانية التي تؤثر في مشاعرهم. وكان هدف تلك البعثة مراقبة الطريقة التي يربي فيها العرب صغارهم، والوسيلة التي يظهرون بها انفعالاتهم الخاصة إزاء الحوادث المرة أو المحزنة، مع دراسة أمثالهم العامية والطريقة التي يأتون بها ويدفنون بها موتاهم وغير ذلك من أوجه المعيشة التي يمتثل لها الكثرة من سكان الشرق العربي وكان على أعضاء هذه البعثة اليهودية أن ينفرد كل منهم بدراسة وجه من أوجه هذا النشاط الذي أشرنا إليه، ويضع فيه