معروف الرصافي
للأستاذ حمدي الحسيني
نظم الرصافي ذلك الشعر القوي ضد الظلم والاستبداد في العهد العثماني وسيف الطاغية الجبار عبد الحميد الثاني مصلت على رقاب الناس في طول البلاد وعرضها، وهو كما رأى القراء يتلظى قوة وحرارة، ويتوهج شدة وعنفًا وصرامة، ويتموج اتساعًا وعمقًا وضخامة، ولم يبق الرصافي هذا النوع في الشعر محفوظًا في صدره أو مطويًا في بطن دفتره بل نشره على الناس سرًا وعلنًا، بلسانه وقلمه. فكان عمله ذاك جرأة عبقري وشجاعة بطل. أما تأثير هذا الشعر في نفوس العرب في ذلك الزمن فقد كان عظيمًا جدًا. ولا نشك بأنه كان قبة قوية الحرارة والنور، أشعلت في نفس الأمة العربية رغبة الحرية وأنارت أمامها سبيل الحياة. فمشت بقوة تلك الحرارة وبهدى ذلك النور خطوات موفقة نحو الحرية والحياة. وأما بعد إعلان الدستور فقد رفع الرصافي علم الحرية أمام أمته جهارًا نهارًا، وأخذ يقودها إلى الحياة في ظل ذلك العلم على نغمات شعره الشجية المطربة تارة، وبقوارع كلمه وصوادع حكمه تارة أخرى. حتى أصبح شعر الرصافي بسمات جميلة على ثغور العرب. وآيات جليلة على ألسنتهم وآمالًا لذيذة في قلوبهم وهزات عنيفة في نفوسهم، وعزمات صادقة في هممهم وصوارم باترة في أيديهم. فقاوموا الظلم ودفعوا الأذى وشادوا الممالك. فكان شعر الرصافي أناشيد الثائرين، وأهازيج الفاتحين وأغاني المنتصرين الظافرين. وما كادت تستقر المماليك العربية بعد الحرب العالمية الأولى وتتوطد فيها العروش وتشاد دور العلم وتفتح نوادي الأدب حتى أصبح شعر الرصافي نورًا قويًا يغمر تلك المماليك، ومصابيح منيرة تسطع في دور العلم، وينابيع غزيرة تنصب في نوادي الأدب.
وما دمنا نتحدث عن شعر الرصافي القوي، وتأثيره الواسع المدى في نفسية الأمة العربية، فمن الحق علينا أن نبحث عن سر هذه القوة العجيبة التي جعلت لشعر الرصافي هذا التأثير العجيب.
درسنا شعر الرصافي دراسة نفسية واسعة، وأضفنا ما استنتجناه من هذه الدراسة إلى ما