للأستاذ عبد الجواد الطيب
ما كان لنا - ونحن نؤمن بالإقليمية وأثرها في الأدب - أن نتحدث عن شاعر مثل كشاجم الفلسطيني المنيت والنشأة على أنه شاعر مصري، يكتب فيه بحث في الأدب المصري، لولا أن الرجل كان قد وفد إلى مصر فيمن وقد إليها من الشعراء كالمتنبي وأبي تمام وكثير عزة، وغيرهم من الشعراء الذين حدث بينهم وبين البيئة المصرية من التفاعل ما جعلها تتأثر بهم ويتأثرون بها.
وإذا كان شاعر كالمتنبي مثلًا أقام في مصر فترة من الزمن ثم رحل هنها متبرمًا بها ساخطًا عليها، فإن شاعرًا ككشاجم لم يتبرم بها هذا التبرم، ولم يرحل عنها إلا ليعود إليها، وقد شفه الوجد وأضناه الشوق:
قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني ... والآن عدت وعادت مصر لي دارا
فهو إذن لم يلم بمصر إلمامًا، وإنما أقام بها وقتًا جعلها حرية بأن تكون دارًا له، ثم كاد يرحل عنها حتى عاد إليها صبًا مشوقًا يتخذها مستقرًا ومقامًا.
فنحن حين نتحدث عن كشاجم كشاعر مصري لا نفعل هذا لمجرد أن إقليم الشاعر كان تابعًا لمصر حياة كشاجم، فهو إذن مصري بالتبعية السياسية.
ليس هذا طبعًا هو الذي نعنيه، فإنه وإن كانت هذه التبعية قد يكون لها أثرها في الحياة الأدبية إلى حد ما، إلا أن أثر البيئة الجغرافية بحدودها ومعالمها أعظم من هذا خطرًا، وأبعد مدى، ولهذا حين أتى كشاجم مصر واتخذها مستقرًا له، وتأثر بطبيعتها، وظروفها المادية والمعنوية. . . يمكن اعتباره من هذه الناحية شاعرًا مصريًا، أو على الأقل فيه جانب مصري جدير بالدارسة.
لقد يكون سر اختياري لكشاجم بالذات دون غيره كالمتنبي وأبي تمام. . . هو أن كشاجم لم يثر اهتمام الدارسين، ولم يحظ بما حظي به غيره من عناية الباحثين من القدماء والمحدثين، فالمتنبي مثلا كان موضع عراك، وأخذ ورد، ودوي هائل، ظل صداه بل ظل امتداده إلى الآن، فهو قد حظي بعناية القدماء كثيرا، والمحدثين أكثر. أما كشاجم فهو شاعر مغمور أو كالمغمور، فلا يجد المتتبع له إلا نتفًا مبعثرة هنا وهناك، ومع هذا فكلها حديث