القبلة
للكاتب الأسباني أوسيبيو بلاسكو
في سجن من السجون ليس يعنينا اسمه، كان أحد المجرمين العتاة سجينًا. والحق أنه لا ينتظر في مثل هذا المكان أن يجد عددًا من خيار الناس، بيد أنه من بين الستمائة سجين الذين كانت تضمهم جدران هذا السجن الذي نسوق الحديث عنه، كان هذا السجين أشدهم خطرًا.
كانوا يدعونه (الذئب) . وكان في الستين من عمره، وقد أمضى من الستين اثنتان وأربعين سنة في سجون مختلفات. وكان منذ شبابه يتنقل من دار قصاص إلى دار قصاص، وقد حكم عليه بسبب السرقة حينًا، وبسبب القتل آخر حينًا. وإنه لمن المحال أن يقدم كشف جامع لجرائمه، وقد حكم عليه آخر مرة لجريمة أشنع من سابقاته كلها، بالسجن لمدة تزيد على البقية الباقية من حياته.
ولقد كان على قدر كبير من الضراوة، وسوء الخلق، حتى أن بقية السجناء كانوا يتحاشونه. وكان كلما مر بأحدهم نأى عن سبيله جهد المستطاع، إذ كان (الذئب) بطبعه شرسًا عسر الخليقة. وقد حدث أكثر من مرة أن عض من اقترب منه كثيرًا أو ركله بقدمه، أو شكه بالإبرة، وكان دائب العمل في جوارب من الصوف. وكان أكثر شراسة من غالبية القوم، متعطشًا للدم كأكثر الحيوانات المفترسة.
وكان يقضي الأيام والأسابيع في صمت قاعدًا على الأرض، وأمامه عمله، وهو مطرق برأسه. وكان رأسه مغطى بشعر أسود، ولحيته التي سمح له أولوا الأمر بالاحتفاظ بها بدافع الخوف أو التحمل، مشعثة الشعر مهملة، وكانت عيناه سود قاسيتين، ونظرته مخيفة مهددة، وكان برغم سنيه الستين شديد القوى، وثيق عضلات اليدين، وكان مبعث الرعب الصامت في المكان كله. إذ كان لا يبادل الحديث أحدًا، ولا يشارك الآخرين مزاحهم الآثم، ولكنه كان يحافظ على سمعته الذي كان الجميع يعترف به ويحترمه، وكان كلما رفع بصره، وألقى الطرف حوله إلى نزلاء السجن الآخرين، أشاحوا برؤوسهم، أو رفعوا أبصارهم إلى السماء بدلًا من لقاء نظرته.