فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 56198 من 65521

بين إبراهيم الكاتب وإبراهيم الثاني

للأستاذ غائب طعمة فرمان

وصف المازني إبراهيم الكاتب بقوله:

(إن أبرز مزاياه كانت أن أسلوبه صورة لنفسه الحية الحساسة المتوقدة. . . . وكان دأبه أن يدور بعينه في نفسه ليطلع على كل ما فيها، وأن يجيلها فيما هو خارج عنها ليحيط بكل ما وراءها. . . ولكن قلما رأى شيئًا خارجها إلا من خلالها. . .)

.. . ومن خلال هذا الوصف أعطانا المازني صورة واضحة المعالم دقيقة السمات لنفسه. . . تلك التي ترى الأشياء من مرآتها الخاصة وتبث من خلجاتها حياة فيها. . .

والمازني لا يفتأ يتحدث عن نفسه، وينفذ إلى أعمق أعماقها، ويسبر أغور أغوارها، ويطلع على أخفى خفاياها. . . ثم يرى العالم من خلالها ليتعرف على أسرارها!

فإذا بتلك السلسلة المتصلة الحلقات من التجارب الإنسانية تصبح مادة أدبه، وإذا بذلك النهر المتجمع من قطرات أيامه وسنيه يمد المازني بمعين لا ينضب من الأدب الرفيع.

وتحت معاول الهزات النفسية، والجنبة في رحلاته الطويلة في عالم الفكر والشعور تربت نفسه، وتهذبت، وامحي بريقها الكاذب وبدت خالصة من الشوائب، ناصعة الجوهر. . . فإذا هو يعتز بها، ويحيا لها، وفي سبيلها يسعى، وبها وحدها يعنى.

فإذا أسلمنا بهذا حملنا إلى الشك في قول المازني بأنه (ليس إبراهيم الكاتب الذي تصفه الرواية؛ وإن هذا المخلوق ما كان قط، ولا فتح عينيه على الحياة إلا في روايته) فتلك مغالطة أعظم بها من مغالطة، وتنكب عن واقع الحياة، وهروب عن لذعات السنين الماضية، وذكرياتها المريرة التي قد تكون شديدة الوطأ على نفسه، قاسية الواقع على شعوره. . . وما تلك الفروق بين إبراهيم المازني وإبراهيم الكاتب إلا ضرب من المخادعة واللف يلجأ إليه المازني في كثير من الأحايين.

وقد تغير المازني السنون فيبدو لعينيه إبراهيم الكاتب - وهو يمثل طورًا من أطوار حياته - رجلًا غريبًا (لا تعجبه سيرته ولا مزاجه ولا التفاتات ذهنه) . فينفر منه، ويجفوه لاختلافه في الاحتفال بالحياة والإعراض عن الدنيا، والوعورة في الأخلاق والنفور من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت