للأستاذ محمد فريد وجدي بك
بعد أن مرت على النوع الإنساني عشرات من القرون في حالة تنازع للبقاء، ثم لطلب السيادة وبسطة السلطان، جريًا على عادات جاهلية فرضتها الحاجات الجسدية تارة والميول الهوائية تارة أخرى. وتبعت هذه التعديات تصرفات ومجريات تعسفية، أملتها على المتغلبين الغرائز الحيوانية، والطبائع الوحشية، فأصبحت رسومًا تقليدية، لا تثير عاطفة، ولا تجرح إحساسًا؛ بعد أن مر هذا كلّه على النوع الإنساني، أخذ يبدو في حيز التفكير البشري رد فعل لهذا العدوان المتأصل في النفوس، ترجمت عنه بحوث خلقية، ودراسات فلسفية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، تدل على وشك حدوث دور انتقال من هذه الحال الحيوانية التي درج عليها الأقوياء في جميع الأجيال حيال الضعفاء إلى حالة وسطى من العدل والإنصاف والرحمة؛ وكان ذلك سببًا في حدوث كتابات تدافع عن الضعفاء المقهورين، وتستدر لهم من الأقوياء المتغلبين العطف والشفقة، ولم تبخل عليهم باعتبار هذا العطف حقًا لهم يجب على سادتهم الاعتراف به.
لم تكتف هذه البحوث والدراسات بالناحية المادية لتلك الطوائف المقهورة، بل تناولت ناحيتهم الدينية والأدبية، التي يحتقرها الأقوياء ويأنفون البحث فيها، ويعتبرونها من الأضاليل الوحشية، فوجدتها لا تقل عن سواها دعوة إلى الخير، وردعًا عن الشر، ومطالبة بالإحسان والبر؛ وهي وإن كان قد أصابها التحريف فليست بأكثر من سواها التياثًا بالخرافات، ولا بأعصى منها قبولًا للإصلاح، فنشأ من كل هذه الكتابات والبحوث تلطيف لخشونة الاستعمار، فرضخ القاهرون للمقهورين بقسط من التسامح مكنهم من فتح المدارس لأبنائهم، ونشر الصحف للمطالبة بحقوقهم. واضطرت الأمم المتغلبة إلى زيادة قسطهم من الحرية فلم يلبثوا أن تطورت مطالبتهم بحقوقهم إلى ثورات مسلحة، وقلاقل متوالية، اضطرت معها أكبر الدول الاستعمارية إلى التخلي عن أكبر مستعمراتها، وتخفيف الوطأة عن سواها مراعاة لهذا التيار الجارف من الشعور بالحقوق الطبيعية. وأصبحت الأمم القوية المحافظة على الشكائم الحديدية في جهاد جهيد مع مستعمراتها، وهي تعلم أنها تحاول المحال في الإبقاء على التقاليد القديمة، وإنه سيأتي يوم وهو ليس بعيدًا، ينتقل فيه سلطانها