للأستاذ ثروت أباظة
على شاطئ البحر أرسل ناظري فينطلق لا يعوقه إلا الأفق البعيد. . . تتهادى منه إلى الشاطئ موجات كل منها تتزين لملاقاة هذا الشاطئ بلون يختلف عما اتخذته صاحبتها، وإذا هي مرتمية عليه في إلحاح العاشق المشوق حاملة معها نسيمًا يشتد حينًا ويلين أحيانًا. . . يشتد فالشوق عارم، ويخفت فالشوق خفيف. . . والشاطئ رابض يستقبل كل ما برد، لا تلمح عليه من التغير غير بعض الماء يعلوه من أثر الخجل، ثم لا تلبث الرمال الظامئة أن تبتلع هذا الماء إلى غير رجعة وفي غير اكتفاء. . . والناس بين ذهاب وأوبة منهم من يولي الموجات نظره واهتمامه، ومنهم من شغلته حوريات أخرى، فهو غير حافل بشيء مما يدور حوله من غزل يرق ويحتدم. . . ومن الناس من اقتحم على الموجات غزلها فافسد من زينتها وعاق من شوقها. . . قاسيًا عاتيًا. . . وهل كان الإنسان إلا كذلك. . . فما الذي ساق صاحبي وأنا في هدأتي هذه يقطعها علي قائلًا في صوت أجش:
-سلام عليك!
-بسم الله الرحمن الرحيم. . . لا أنزل الله عليك السلام أبدًا. . . من أين خرجت؟
-أعوذ بالله! أهذا لقاء؟
-فليكن وداعًا
-خيرًا، ماذا بك!؟
-ليس بي غيرك، فاجلس صامتًا أو انصرف مشكورًا.
-آه. . . آسف، لقد قطعت عليك خيالك. . . آسف يا حضرة. . .
لا فائدة إذن، لقد آلمه لقائي فأراد أن يرده سخرية، وحسبي الله. . . لابد أن أقطع السخرية بمثلها واجعل الحديث كله مزاحًا. . . ليجلس. . . والبحر لن يغيض، والشاطئ لن يفر، والقسوة في الناس لن تزول: -
-لا. . . لا تأسف فهكذا أنت والله. . . با أنك عادة أكثر جمودًا منك الساعة، فها أنت ذا تحس فتأسف وما كنت في يوم ذا إحساس، إجلس. . . وتكلم. . .
-أذنت لي. . . أي تنازل. . . كيف حالك وما حال الصيف معك؟