للأستاذ أنور المعداوي
الإنسان صانع الأمل، ينحت تمثاله من قلبه ومن روحه، ولا يزال عاكفًا عليه يبدع في تصويره وصقله متخيلًا فيه الحياة ومرحها وجمالها، ولكن الزمن يمضي ولا يزال تمثاله طينا جامدًا وحجرًا أصم، حتى تخمد وقد الشباب في دم الصانع الطامح وتشعره السنون بالعجز والضعف فيفزع إلى معبد أحلامه هاتفًا بتمثاله! ولكن التمثال لا يتحرك، ولكن الحلم الجميل لا يتحقق، وهكذا نجتاح الليالي ذات المعبد وتعصف بالتمثال فيهوي حطامًا، وهنا يصرخ اليأس الإنساني ويمضي القدر في عمله!
بهذه المقدمة النثرية المحلقة في الصفحة الثانية والثمانين من (ليالي الملاح التائه) يبدأ الشاعر قصيدته (التمثال) أو قصة الأمل الإنساني في فصولها الأربعة. . . وأقدم إليك اليوم هذه القصيدة، أو هذه الصورة النفسية الثالثة:
أقبل الليل واتخذت طريقي ... لك والنجم مؤنسي ورفيقي
وتوارى النهار خلف ستار ... شفقي من الغمام رقيق
مد طير السماء فيه جناحا ... كشراع في لجة من عقيق
هو مثلي، حيران يضرب في الليل ويجتاز كل واد سحيق
عاد من رحلة الحياة كما عد ... ت وكل لوكره في الطريق!!
أبهذا التمثال هاأنذا جئت لألقاك في السكون العميق
حاملا من غرائب البر والبحر ومن كل محدث وعريق
ذاك صيدي الذي أعود به ليلا وأمضي إليه عند الشروق
جئت ألقي به على قدميك الآ ... ن في لهفة الغريب المشوق
عاقدًا منه فوق رأسك تاجًا ... ووشاحًا لقدك الممشوق
صورة أنت من بدائع شتى ... ومثال من كل فن رشيق
بيدي هذه جبلتك من قلبي ... ومن رونق الشباب الأنيق
كلما شمت بارقًا من جمال ... طرت في إثره أشق طريقي