النعجة السوداء
للأستاذ حامد بدر
(تلك قصة قصيرة، سمعتها من رجل قروي فلخصتها في هذه السطور)
في مكان ناء عن العمران، حيث السكون سائد لا يشوبه ضجيج، والهواء طلق لا يعرقه بناء، والفضاء رحب لا يحد من سعته شئ، والقبة الزرقاء تتحدى كل القباب بروعتها وجلالها، وتفيض على الأرض من خيرها وبرها، ونورها وظلها. . وفي إعفاء يقظي، تنيم النفس أمنا، وتوقظها إيمانًا، وفي هذه خالصة مخلصة يرجع فيها من خلق إلى من خلق، يستجم العقل المكدود المحدود. . . كان أحد الملوك مصطحبًا وزير ابتغاء النزهة الهادئة الطليقة، المجردة من مظاهر السلطان والجاه. وبينما هما سائران إذا براع يرعى عنها، وقد افترش من الأرض مكانًا خشنًا، مستظلًا بصفصافة حانية، في جوار قناة جارية، وبين يديه لقمات يابسات، يتناولها في رضا واطمئنان، ثم يميل على التميز الجاري، فيروى ظمأه ويحمد الله. وبعد قليل يخرج من جيبه قصبة تشبه الناي، ويطلق صغيره في الفضاء، فيقطع السكون السائد بلحن حلو طروب، له في كل ناحية صدى، وكأنه يملك الدنيا بأسرها!
تعجب الملك ووزيره لهذا القانع الراضي، الذي لم يعكر صفوه شي من اكدار الحياة، فناداه الملك وسأله: كيف حالك؟ فقال: كما ترى يا سيدي، أحمد الله على ما أعطاني من نعمة، وما وهبني من عافية. قال الملك: ما أحسن إيمانك، وما أجمل شكرانك! ولكن أما يزعجك في حياتك الهادئة شئ؟ قال: لا شئ سوى هذه النعجة السوداء، فكثيرًا ما تشذ عن زميلاتها، وتستعمل قرنيها في الأذى، وتكدر صفوي. . .! ففكر الملك قليلًا ثم قال: طابت حياتك أيها الرجل لولا النعجة السوداء،
وبعد أن ابتعد عن الراعي رأي الوزير الملك مفكرًا، كأن أمرًا شغله، فقال: أعزك الله يا مولاي، وجعل السعادة ظلا لملك العزيز، ليت شعري ما يشغل بال الملك؟ أرجو ان يكون خيرًا فأومأ الملك شاكرًا، وظل في تفكيره برهة ثم قال: ماذا تركت في نفسك هذه النزهة من أثر؟ وهل رأيت فيها شيئًا من الغرابة؟ قال الوزير: ل اغرابة - يا مولاي - في جمال