الكلمة التي ألقيت في المؤتمر الثقافي العربي الثاني
بالإسكندرية يوم 26 أغسطس سنة 1950
سيداتي، سادتي،
دعاني إلى الكلام في حاضر الأدب العربي أمران: أولهما أن الأدب العربي هو الجامعة الروحية الحق للعرب جميعًا؛ اتصل بها حبلهم حين تقطعت الأسباب، وانتظم عليها شملهم حين شتت الوحدة. ومزية هذه الجامعة إنها من وحي الله ومن صنع الطبيعة، فلا يوهي من عقدها تناقض رأي ورأي، ولا تعارض غاية وغاير. وفضيلة أعضائها أنهم كالأنبياء يبنون لتعمر الأرض، ويبذرون ليحصد العالم، ولا يؤثرون بجهدهم وطنًا على وطن، ولا يخصون بخيرهم قومًا دون قوم.
لذلك كان من الخير أن يتحدث أعضاء هذه الجامعة بعضهم إلى بعض كلما واتتهم الفرصة لهذا الحديث.
أما الأمر الآخر فهو سؤال من الأسئلة التي عرضتها الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية للإجابة عنها في هذا المؤتمر، ونصه كما ورد في الصفحة الثالثة عشرة من البرنامج:
(ماذا يجب أن تعمله المدرسة للتغلب على النزعة الأدبية والكلامية المنتشرة في البلاد العربية، ولإشاعة روح التفكير العلمي بين شباب العرب) ولست أدري إلام يرمي هذا السؤال؟ أيرمي إلى قتل النزعة الأدبية في الشباب ليصبحوا جميعًا أصحاب علم ورجال عمل؟ وهل هناك تعارض بين الأدب والعلم فلا يجوز أن يكون للأديب من العلم ما يكسبه الضبط والدقة والوضوح، وأن يكون للعالم من الأدب ما يقيه المادية والثقل والجفاف؟ أم يرمي إلى أن الأدب كلام وأن العلم عمل، وشباب العرب وهم أحوج إلى النهوض المادي قد انصرفوا إلى الأدب عن العلم، ولهوًا بالقول عن الفعل؟ إن كان ذلك ما يرمي إليه فإن الواقع يخالفه. ولعل في تهافت الطلاب على شعبتي العلوم والرياضة ما يدعو إلى التفكير في مستقبل كليات الآداب والحقوق.
على أن الكلام إذا كان ألفاظًا فارغة كان غثاء وثرثرة، فإذا كانت ألفاظه حافلة بما تمتع أو