للأستاذ أنور المعداوي
فيلسوف من فلاسفة الحكم. . ولا نعني أنه كان من أصحاب المذاهب والنظريات، أولئك الذين يضعون للدولة نظامًا فلسفيًا تعمل به، ومنهجًا مدروسًا تسير عليه، وفقًا لميولهم الفكرية الخاصة في محيط السياسة والإدارة والاقتصاد.
لم يكن عمر بن الخطاب واحدًا من فلاسفة الحكم بمعنى هذه الفلسفة في العصر الحديث، حين تفهم على أنها طريقة معينة لنظم الإدارة لا تصلح بغيرها الإدارة، وخطة مفصلة لإقامة نوع من الحكومة لا تنجح بغيره الحكومة، على نحو ما يفكر الفلاسفة الإداريون من أشياع الفاشية أو الشيوعية أو الاشتراكية في هذه الأيام. . لم يكن واحدًا من هؤلاء بهذا المعنى المفهوم، وإنما كان واحدًا من فلاسفة الحكم حين تكون الفلسفة خبرة بدخائل النفوس، ودراية بأحوال الناس، وبصرًا بما تتجه إليه منهم شتى العواطف والنزعات، وعلى هذه الأسس جميعًا قامت فلسفة عمر الإدارية حين يرجى صلاح الأمور بين الحاكم والمحكوم.
هو فيلسوف بهذا المعنى الأخير إذا كانت الفلسفة فكرًا صائبًا يلمس مواطن الضعف في أخلاق الرعية، ونظرا ثاقبًا يلمح مواضع العلل في كيان الدولة، ورأيا نافذا يقرن الصرامة بالعدل وهو يواجه المرض وملء جمعيته فنون من العلاج
ولا نريد هنا أن نعرض لمختلف الجوانب في فلسفة عمر الحكومية فهي متعددة المعالم متنوعة الأهداف، ولكن الذي نريده من هذه الكلمة هو جانب واحد يدل به المثل الفرد على غيره من الأمثل. . هذا الجانب الواحد الذي يصور لنا الطبيعة العمرية في تصريف الأمور، بما عرف عنها من عبقرية القائد وحنكة الحاكم وكياسة المدير. هناك في موافقة الحازمة من كبرياء قريش، أو من تلك الأرستقراطية القرشية التي لم يهذب من جموحها إنسانية محمد ولا سماحة الصديق!!
لقد كان عمر يعلم من أمر قريش ما قد يعلمه غيره من الناس. وليس في هذا العلم بطبيعة الظواهر النفسية ما يبهر أو يروع حين يقف العقل بعلمه عند هذا الحد ولا يزيد، لأنه قسط مشترك من المعرفة قد يتساوى فيه كل صاحب حظ من الألمعية أو كل صاحب قدر من