إنسانية تتهاوى!
للأستاذ كامل محمود حبيب
قال لي صاحبي (ما بالك ساهم الفكر مضطرب النفس مقطب الجبين، يلوح الأسى والعبث في نظراتك، وترن نغمات الشجى والهم من خلال كلماتك. وعهدي بك متطلق الوجه مستبشر الخاطر منفرج الأسارير؟) .
قلت (آه، يا صاحبي! لقد عشت منذ الصباح في غمرات من الألم أراها قاصمة الظهر، وجهدت أن أدفعها عن خيالي فآذني أن أفعل، فطرت إليك علك تخفف عن قلبي بعض ما أثقله حين تراءت له النفوس وقد نضبت من الإنسانية وصفرت من الرجولة) :
قال (هاتها!)
قلت (هي قصة رجل عصرته الحياة بين فكين غليظين من وطأة العلة وشره المال فما أفاق إلا على دوى يؤرق نفسه ويثير همه. . . دوي ينذره بأنه أوشك أن يفقد حياته وماله في وقت معًا.
هو رجل طوى عمر الشباب ينظر إلى الدنيا بعينين فيهما فرحة الأمل ولمعة الرجاء، ومن حواليه صبية صغار يرفون رفيفًا حلوًا ينفث في قلبه الهمة والنشاط ويبذر في روحه الهدوء والطمأنينة، فهو يرى فيهم نورًا يتألق فيبدد ظلمات من العيش تكاثفت أمامه منذ أن مات عنه أبوه وخلفه وحيدًا في خضم الحياة تتقاذفه أمواجها العاتية لا يجد العون ولا الساعد ولا الناصح فراح يتخبط على غير هدى.
وأحست الحياة بوحدة الصبي وضياعه فعبست له وبسرت لا ترحم ولا تشفق، ولكن شيئًا من ذلك لم يقعد به عن أن يشق طريقه في أناة وصبر، ولا عن أن يندفع على سننه في قوة وعناد، لا يعبأ بالغلظة ولا يضيق بالجفوة، حتى أصاب طرفًا من نجاح فأصبح موظفًا صغيرًا في الحكومة وانطوت السنون.
ثم جاءته المحنة الكبرى فأصيب بذات الرئة، وأحس بالداء يسري في دمه فما اضطربت نفسه ولا ضاقت به الحيلة، وبين يديه ألف جنيه، ورث البعض وادخر البعض، فهو يستطيع أن يشتري الطبيب والدواء في وقت معًا، فأنطلق إلى طبيب من ذوي الصيت