قد يقتل الألم الشعر!
(إن القوة التي تشد الأوتار هي التي تمزقها، والنار التي تشد
الدفوف هي التي تحرقها.
فإلى من تمزقت أوتارهم، واحترقت دفوفهم، أهدي رماد النار، وتراب القيثارة!!)
يقال إن الألم يوقظ الحواس، ويشد أوتار الإحساس، ولهذا القول من الصواب خلاق، لكن على غير الإطلاق. فإن القوة التي تشد الأوتار هي التي تمزقها، والنار التي تشد الدفوف هي التي تحرقها، والقسر الذي يضغط الشفاف حتى يلهبه، ليس أقتل منه للموهبة! فالشاعر كالطائر يعبر عن كل آلامه بالبكاء، إلا ألم القسر فقد يموت به من غير اشتكاء. والأملاق ضرب من القسر والإذلال، والإذلال غل من أبغض الأغلال! فإذا حصر الشاعر في عيشة محدودة، ودراهم معدودة، كبت القسر إحساسه، وكتم العسر أنفاسه!
وقد قيل إن البؤس أسدى إلى حافظ إحسانًا، وأضفى على شعره إتقانًا، فلم يأت بالنفائس، إلا وهو بائس، وأنه لما لمس بعض السعادة، أخلد إلى البلادة، ولما ارتاح باله، قل في الشعر مقاله، فهل استراح هذا الشاعر إلا بعد أن هدت الأيام قواه، وأشرف من العمر على منتهاه؟ وحسبنا البيت الذي قاله، مصورًا حاله
سعيت إلى أن كدت أنتعل الدما ... وعدت فما أعقبت إلا التندما
لقد كان فعل الآلام قويًا متماسكًا، عندما لاذ الشاعر بالغاية لاهثًا متفككا، فلم يصمت مؤثرًا الصمت، وإنما كان يتأهب للموت، ومن قطع جل عمره في لأواء، ناء في منتهى الشوط بالداء العمياء!
وإذا كان البؤس هو الذي جعل حافظًا شاعرًا كبيرًا، فبماذا كان شوقي للشعر أميرًا؟ وقد نشأ في أنعم دار، ولعب باللؤلؤ والنضار، وتربى في أحضان البلهنية، ولم تعز عليه أمنية؟ أعتقد أن البحبوحة، هي التي أطلقت روحه، فنبغ في ظلال السعة، والعيشة الممتعة.
حامد بدر