فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 53869 من 65521

الأقدار

للكاتب الأمريكي ن. هاوتورن

أن معرفتنا الحوادث التي تؤثر على حياتنا ومصيرنا في الواقع معرفة طفيفة ضئيلة فهناك من هذه - الحوادث - إذا شئت أن تسميه حوادث - ما يدنو منا، ثم ينزح عنا، دون أن يكون له أي أثر على أنفسنا، أو يفشى قربه، أو يلقي ضوءًا أو ظلًا عن وجوده. وهذا ما حدث لدافيد سوان.

نحن لا يهمنا من حياة دافيد سوان سوى تلك التي تربطه بها منذ بلوغه العشرين من العمر عندما كان قادمًا من مسقط رأسه في طريقه إلى مدينة بوسطون ليعمل في حانوت عمه. ويكفي أن نعرف أنه ولد في نيوها مشاير من أبوين محترمين، وأن ثقافته عادية تزيدها دراسة عام في أكاديمية جليمانتون. وكان يشعر بالجهد وعناء السير ووطأة القيظ بعد أن قطع شوطًا كبيرًا من الطريق منذ شروق الشمس حتى ظهر يوم من أيام الصيف الحارة. فعزم على أن يستريح في أقرب مكان تكتنفه الظلال وينتظر قدوم مركبة السفر وكأنما تهيأ له هذا المكان، فسرعان ما بدت أشجار باسقة حول خلاء يتوسطه نبع من الماء العذب الدافق فطبع قبلة على صفحته من شفتيه الظمآنتين ثم استلقى على الأرض وقد توسد لفافة تحوي ملابسه الداخلية. كانت الشمس تجاهد في فتح ثغرة بين الأفنان حتى تصل إليه، وإنجاب ستر ذلك الغبار المتصاعد من الطريق بعد أن هطل المطر في الليلة الماضية. وارتاح الشاب لتلك الحشائش التي يرقد عليها وكأنه نائم على فراش وثير. وتمتم النبع يهمس بجواره، وتأرجحت الأفنان تحت السماء الزرقاء. ثم استولى عليه نوم عميق تتخلله أحلام عابرة لا يهمنا أمرها، فكل اهتمامنا موجه إلى ما يحدث بعيدًا عن أحلامه.

كان الناس غادين رائحين على طول الطريق راكبين أو مترجلين فيمرون عليه وهو راقد تحت سلطان الكرى في خلوته وقد ألقت عليه الأشجار ظلالها. وكان منهم من لا يلتفت يمنة أو يسرة فلا يدري وجود دافيد، ومنهم من يرمقه وهو يبتعد عنه سارحًا في أفكاره، ومنهم من يضحك عندما يشاهده راقدًا يغط في نومه، ومنهم أولئك الذين امتلأت قلوبهم بالبغضاء، فيبعثون إليه فيضًا من كلمات الضغينة والحقد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت