للأستاذ علي العماري
على الرغم من وجود عدد غير قليل من الشعراء في السودان، فإن منزلة الشعر غير مرموقة، ورايته غير مرفوعة، وما زال كثير من الناس - حتى بعض المتعلمين - ينظرون إلى الشعر نظرهم إلى شيء ليس بذي بال، وقد كان الظن غير ذلك، فإن علماء السودان الأعلام قد احسنوا إحسانًا محمودًا حين نزلوا إلى ميدان الشعر، وهم أهل التقوى، وأهل الورع، فقالوه، وتناشدوه، ونشروه على الناس. وحسبنا أن نعلم أن من كبار العلماء أمثال الشيخ أبي القاسم، والشيخ الضرير، والشيخ البنا الكبير، قد قالوا شعرًا في النسيب، ومن هذا النسيب نسيب رقيق عذب، ربما كان يظن الجاهلون أنه مما لا يليق بمكانة العلماء. ولقد سرني أن رأيت عالمًا فاضلًا هو شيخ علماء السودان الأسبق الشيخ أبو القاسم هاشم يقول نسيبًا مستقلًا، على قلة استقلال هذا الغرض في شعر العلماء.
ولقد أحسن الأستاذ الفاضل سعد ميخائيل واضع كتاب شعراء السودان حين قال عن هذا العالم الجليل (ترى صورته وما عليه من برد الجلال والوقار فتظنه فقيهًا سيسمعك الشعر بروح الفقهاء، بينما هو يحمل بين جنبيه مع التقوى والنزاهة قلبًا رقيق الحاشية) نعم إن أكثر شعره في المدائح النبوية، ولكن تشبيبه لا يصدر إلا عن نفس ذات أريحية وهزة. والحق أن التزمت ليس من صفات العلماء الفاقهين لحقيقة العلم، وإنما هو حلة أنصاف العلماء. قال الأصمعي: أنشدت محمد بن عمران قاضي المدينة، وكان من أعقل من رأيت:
يأيها السائل عن منزلي ... نزلت في الخان على نفسي
يعدو على الخبز من خابز ... لا يقبل الرهن ولا ينسي
آكل من كيسي ومن كسرتي ... حتى لقد أوجعني ضرسي
فقال: أكتب لي هذه الأبيات، فقلت أصلحك الله، هذا لا يشبه مثلك، وإنما يروي مثل هذه الأحداث، فقال: أكتبها، فالأشراف تعجبهم الملح. هكذا. . . الأشراف تعجبهم الملح، ومن تزمت ومن تزمت فإنما يتزمت على نفسه.
وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحدًا لا يشتهي النسيب؟ فقال: أما ممن يؤمن بالله