بيت العنكبوت!. . .
للأستاذ صبحي إبراهيم الصالح
(مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت
بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).
قرآن كريم
تزعم أسرة العناكب أنها عاشت حينًا من الدهر في بيت تام البناء، مكتمل الأثاث، كثير المتاع؛ وأن صروف الزمان وعودايه أخرجتها من بيتها بغير حق، فتقطعت بها الأسباب، وسُدَّت في وجهها الأبواب، وأصبح شملها مشتتًا بعد اجتماع، وأمسى حبلها مبتوتًا بعد اتصال. . .
وتزعم أسرة العناكب - فوق ذلك - أن طائفة منها طوفت في الآفاق، فما ثُقِفتْ في بلد إلا سامها أهلوه سوء العذاب، حتى انتهى بها التطواف إلى البقعة المباركة التي أُخرجت منها، فبدا لها أن تتخذ فيها بيتًا واحدًا يضم (قومها) فحشرت ونادت فيما أجابها منهم إلا أصوات بعيدة في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، فأوحت إليهم أن انسجوا خيوطكم بكرةً وعشيًا، ثم هاجروا إلينا لواذًا، ثم ائتونا صفًا، فسنبني معًا بأيدينا ذلك البيت الذي حرمتنا منه الحياة، في الأرض المقدسة التي أخرجنا منها شرَّ إخراج!
وانهمكت طائفة العناكب في إعداد تصميم البناء، وراحت تعمل في ضمير الخفاء، بينما أنشأت أخواتها تنسج لها الخيوط تباعًا ثم تمدها إليها من كل مكان، فتجمع بعضها على بعض وتفتله فتلا محكما لتجعل منها حبالا تستطيع أن تصطاد بها إذا احتالت ما تشاء.
وصبرت العناكب طويلا على الذلة مضروبة عليها، والمسكنة محيطة بها. . . ولكن حبالها التي تجمعت لديها بالصبر، سهلت عليها بالمكر أن تصطاد الثعلب الذي يخدع ولا يخدع، والذئب الذي يأكل ولا يشبع، والحرباء التي تتلون ولا تخشع، فامتطت ظهورهم إلى غايتها، وسخرتهم جميعًا لخدمتها، فأسقطوا من كرامتهم لإعزازها، وذلوا أمامها ذلة العبيد للسيد الجبار!