للأستاذ العباس خضر
نشأ بين الساطور والوضم، يصيب المحز ويطبق المفصل في اللحم وفي الشعر وكان ذلك في مدينة الفسطاط، وفي القرن السابع الهجري، في فترة من الزمان انتقل فيها حكم الديار المصرية من الأيوبيين إلى المماليك، وعاش شاعرنا الجزار (أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم) مخضرمًا ما بين الدولتين، آنًا يطوف بالمدائح على الملوك والأمراء وحينًا ينطوي على نفسه لما يلقاه من إخفاق فيما يؤمل من من هذا الطواف، ولما يبلوه من أخلاق الناس، ملتجئًا إلى حرفته راضيًا عنها، فهو أبدًا بين الكلاب: كلاب آدميين يقصدهم بمدحه لينال رفدهم، وكلاب حقيقية من آل قطمير تحوم حوله متطلعة إلى ما يلقى إليها من العظام، وهو يؤثر حاله مع الثانية كما ترى في قوله:
لاتعبني بصنعه القصاب ... فهي أذكى من عنبر الآداب
كان فضلى على الكلاب فمذ صر - ت أديبًا رجوتُ فضل الكلاب
كان أبوه وقومه قصابين بالفسطاط، ونشأ بينهم محترفًا حرفتهم، وقد دفعه شغفه بالأدب إلى التعلق به، وأول ما عرف منه في ذلك، وهو صغير، أنه نظم أبياتًا قلائل، فأخذه أبوه وتوجه به إلى شاعر مشهور في ذلك العصر، هو ابن أبي الإصبع وقال له: يا سيدي، هذا الولد قد نظم شعرًا واشتهى أن يعرضه عليك. فقال: قل. فلما أنشده قال له: أحسنت، والله إنك عوام مليح. فراح الوالد مسرورًا بابنه الذي يوشك أن يغشى بشعره مجالس الملوك والكبراء. وأراد أن يعبر عن شكره لابن أبي الإصبع، فصنع طعامًا وحمله إليه. ولكن ابن أبي الإصبع كان قد طابت له (التورية) التي كانت جل هم أدباء ذلك الزمان، فقال له: لأي شيء فعلت؟ فقال: لثنائك على ولدي. فقال: أنا ما أثنيت عليه. فقال: ألم تقل إنك عوام مليح؟ فقال: ما أردت بذلك إلا أنه خرج من بحر إلى بحر!
ولكن الصبي الجزار دأب على قرض الشعر، يضرب في بحوره ويغوص على غرائب المعاني، ويكسوها أصداف الألفاظ، حتى استبان طريقه وتوضحت له الجادة.
كان يتطلع إلى حياة أخرى يتمتع فيها بلذات العيش غير حياة الجزارة التي يشقى فيها على غير طائل، كما يقول: