للأستاذ علي الطنطاوي
أقامت ليلى في دار أسعد شهرين محمولة على الأكفّ، مفدّاة بالأرواح، قد هيئت لها كل أسباب الرفاهية، وأحيطت بكل مظاهر الترف، وسيق لإسعادها كل ما وصلت إليه الحضارة، وأبدعه العقل، فلا ترى إلا جميلًا، ولا تشم إلا طيبًا، ولا تسمع إلا سارًا، ولا تأكل إلا لذيذًا، ولكنها لم تكن سعيدة. . . ولم تر حسن ما هي فيه، لأنها افتقدت النور الذي ترى به جمال الدنيا حين افتقدت الحبيب.
ولم يكن لها ما تشكو منه، فقد أعطاها أسعد كل شئ، ولم يطلب منها شيئًا. وكان يسرّها محضره، ويهزّها كرمه، ويعجبها أدبه، ولكنها لا تحسّ الفراغ في نفسها لغيبته، ولا تجد الخفقان في قلبها لحضوره، ولا يحملها حديثه على أجنحة الخيال، إلى العالم المسحور الذي كانت تحملها إليه أحاديث هاني، على جفوتها وفراغها. . .
ولقد أحب أن يتم عليها سعادتها بالبحث عن هاني، فبعث الرسل ينفضون الأرض، ويفلّون المدن، ويبحثون في الهضاب والشعاب، فلم يقعوا له على أثر، وطفقت ليلى تفكر فيه حتى خدر فكرها وكلّ، وانطوى على هذه (الفكرة) الواحدة، فلا يعنى بغيرها، ولا يفرغ لسواها، وأدركت أن هذا العالم الذي بدا لها أول مرة بهيًا فاتنًا: عالم الذهب والحرير والزهر والعطر، جميل، ولكنه كجمال الدمية الفنية، لها المقلة الساحرة، والقامة الفتانة، ولكنها باردة ليس فيها روح، وهل روح الحياة إلا الحب؟
جز يا جمل البقاع، واسمع أحلى الأغاني، وشمّ أطيب العطور، وافتقد الحبيب لا تحس لذلك لذة، ولا تجد طيبًا. . .
.. . ولكن الأيام تبدل كل شيء، وقد بدل ليلى كرّ الأيام، فلم يجف الجرح في قلها، ولكن مسّ الحنان قد راضه على السكون، ولم يذهب الحب من نفسها، ولكن عرفان الجميل، قد ألقى عليه غطاء فأخفاه، ولم تنس حياة القصر وساعات الصخرة، ولكن غياب هاني قد حملها على الأنس بهذه الحياة الناعمة المرفهة التي نشأت عليها وتعودتها، هذه هي معيشتها لا معيشة هاني، الذي ألقته المقادير أمامها، وقد ولد في غير بيئتها، وجبل من غير طينتها.