فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 47439 من 65521

حديث غد. . .

للأستاذ محمود محمد شاكر

(قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة) : خرجت في صفر من سنة أربعين أريد المدينة أزور فتيانًا من أصحابي بها، وأتحسس الأخبار أخبار الفتن المشئومة التي توزعت قلوب المسلمين، وأنظر ما فعل بسر بن أبي أرطأة بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بلغنا أنه أحدث فيها أحداثًا عظامًا.

غادرت مكة يوم غادرتها وهي كالتنور المتوقد، فقد ذابت عليها الشمس، واحتدم وهجها وبقينا نتنفس بين أخشبيها لظى من فيح جهنم، حتى يحس المرء كأن الدم يفور فورانًا في عروقه، وقد خدر النهار من حوله فلا ريح ولا روح، فلكل نفس لذعة في الخياشيم والصدر تنشف الريق حتى يكاد اللسان ينشق من فرط جفافه، وحتى يكاد يظن أنه الجنون، ما أصبرنا يا أهل مكة على صياخيدها، وما أحبها إلينا على شدة ما نلقى من لأوائها! بوركت أرضًا وتعالى من حرمها وتقدست أسماؤه.

كان النهار حرًا ماحقًا منعنا التأويب، فكان سيرنا كله إدلاجًا تحت غواشي الليل إلى أن يسفر الفجر وطرفًا من النهار. ولشد ما أعجبني الليل وراعني حتى تمنيت أيامئذٍ أن الدهر ليل كله، فقد كنت أسري تحت سماء زرقاء ملساء صافية كأن النجوم في حافلتها وعلى صفحتها در يتلألأ على نحر غانية وأنا تحت أنفاسها كالشارب الثمل. وكيف تفعل هذه البيداء بنا وبقلوبنا؟ قيظ يسلخ جلد الحية ويذيب دماغ الضب، لا يلبث أن تنفحنا بعده بنسيم هفافٍ كأن الليل يتنفس به ليخفف عنا بلاء نهارنا، ويفوح من برود الليل شذا الأقاحي فيفعم الفضاء كله أحيانًا حتى يخيل إلي أن البادية المجدبة قد استحالت روضةً تنفث أزهارها الطيب من حيث استقبلت، فأجد لها روحًا على كبدي وراحة فأعب من أنفاسها عبًا حتى أقول لقد سكرت من غير سكر. ثم ما أندى رويحة الفجر على قلوب السارين في هذه المهامة السحيقة المتقاذفة! فإن عبيرها وبردها والنور المشعشع على أرجائها يجعلك تحس حسًا لا يكذب بأنك تحيي في لذاذات لا ينقضي منها أرب ولا يستحيل لها مذاق. ولقد حبب إلى الخروج إلى البادية كلما وجدت في نفسي طائفًا من سآمة أو ملل، فيا بعد ما بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت