للأستاذ سعيد الأفغاني
ليس هذا خوضًا في السياسية، فأنا امرؤ ساء ظنه في محترفيها جميعًا؛ وعلى أنى منذ خمسة وعشرين عامًا مولع بتتبع أحداثها في الأقطار العربية وخاصة في الشام ومصر، شغف بعشرة الخبيرين بخفاياها. . لم أخضها يومًا من الأيام كفاحًا وجهًا لوجه لا أنفة منها، ولكن أنفة من حال الخائضين فيها. وإذا سألتني عن السر في تضييع الفرص على الشعوب العربية وحرمانها من خير لم تقصر في السهر علية والجهاد له، أجبتك: (إنه في داء واحد في الأقطار جميعًا هو: أخلاق القادة!)
ارجع بصرك في أحداث الثلاثين سنة الأخيرة، فستجد أن قطرًا من الأقطار لم ين عن جهاد صادق سنة من هذه السنين، ولم يبخل على قضيته بنفس ولا نفس. لقد بذل في سبيل ربه ووطنه دماء وأمواله بسخاء كان مضرب الأمثال، ولكن المتصدين للقيادة بهم داء الكلب والتناحر وصغار النفس والتعلق بالسفاسف، لايخافون الله في أمة طوحوا بها في المهالك من أجل تمتع بمنصب أو مال، أو تلذذ بقهر منافس أو معارض. . . غير خجلين من أن يمدوا أيديهم ضارعين إلى أجنبي وصلوا إلى زعاماتهم بمجاهرة أمتهم بعدائه، وهو يتربص بهم يومًا كهذا اليوم تقودهم فيه ضعة نفوسهم إليه صاغرين، فيضرب بهم مستقبل أمتهم ويضيع عليها ثمرات نضالها الطويل، ثم ينبذهم من بعد ذلك إليها نبذ النواة، فإما أن يكون الله كشف عن بصيرة الأمة فجعلتهم نكالا، وإما أن يستغلوا (طيبتها) ثانية فيستأنفوا زعامة من جديد.
ولست أطمع في صلاح نفوس الساسة اليوم، فالله وحده هو الذي يحيي الأرض بعد موتها، ولكني قوي الأمل في الأجيال الناشئة التي لم تشهد أيام الإذعان لسيطرة الاحتلال، ولا عاينت لعب صبيانه بلحى كبارنا وساستنا، وإنما شهدت كفاح هذه القوى الشريرة فنشأت على الإباء والنضال.
إني لأغتنم فرصة احتفال (الرسالة) بالعام الهجري الجديد، فأضع تحت أبصارهم عبرة مائلة لا تنسى أبدًا عسى أن يذكروها كلما حاول من سبقوهم أن يجعلوا منهم وقودًا لفتنة تضرمها الأهواء والنزوات، أو كلما نزغ بهم في المستقبل نزغ يحيد بهم عن خير أمتهم