حرية الكتابة:
اطلعت على مجلة (الرسالة) عدد 692 فقرأت فيها موضوعًا عنوانه (مقالات في كلمات: للأستاذ علي الطنطاوي) لفت نظري فيه فقرة حول (حرية الكتابة) تعرض فيها إلى موضوع نشر في مجلة (الثقافة) الغراء التي تصدر في دير الزور عن (الموازنة بين الأدب والأدب الفرنسي) ، وقد أسعدني الحظ أني أنا أيضًا اطلعت على الموضوع نفسه في المجلة نفسها، فإذا هو لا يخرج عن كونه مقارنة تحليلية طيبة بين الأدبين، حاول فيها الكاتب أن يكون باحثًا موضوعيًا جهد المستطاع. فاستغربت جد الاستغراب أن يتجاوز السيد علي الطنطاوي حدود النقد النزيه القائم على المناقشة العلمية الهادئة التي لا علاقة لها بالعاطفة والمزاج الشخصي.
يذكر الناقد فكرة (السكون والحركة) التي وردت في المقال، ويعلق عليها بأنه لم يفهم منها شيئًا. ولو رجع - حفظه الله - إلى فلسفة اليونان لوجد أن فكرة السكون والحركة قد لعبت دورًا كبيرًا من المدرسة (الأيلية) إلى المدرسة (هرقليط) على أن فكرة السكون ليست مأخذًا على الأدب العربي، فالطمأنينة النفسية هي غاية ما يتوخاه المؤمن المتعبد، بدليل الآية الكريمة (يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربك. .) .
أما حملته على (حرية الكتابة) فنحن نرفضها جملة وتفصيلًا فإنما تحت ظلالها الوارف أينعت المدينة الإسلامية، كما أينعت المدنيات القديمة والحديثة من العهد اليوناني إلى العصر الحديث. وإذا كنا نفخر بشيء فإنما نفخر بحرية الكلام وحرية الفكر وحرية الكتابة التي شع نورها في بغداد والقاهرة ودمشق، والتي أثمرت تلك العلوم والفنون التي لا نزال نتغنى بها فيما نتغنى بأمجاد الماضي والتهمة التي ألصقت بنا في حرق مكتبة الإسكندرية قد نجمت عن ضيق بعض العقول التي كانت تتصور في وهمها بأن العرب أعداء الفكر والعلم والأدب الأجنبي. فلم تنشأ البذرة الأولى للعلوم في العهد العباسي إلا بعد أن أدرك العرب أن عند غيرهم من الأمم علومًا وفلسفة يجب أن يطلعوا عليها وأن يتأثروا بها.
(لا إكراه في الدين) ، هذا هو المذهب العربي الصميم. فليس من الضروري أن توافق الآراء بعضها بعضًا، ولا أود أن أبدي رأيي الشخصي في الموضوع، ما دام الناقد