الذي له صومعة. . .
للأستاذ راشد رستم
هذا هو صباح المعادي في الصيف: خضرة وسكون وطير. ولست أقصد إلى المقارنة، فالإسكندرية اليوم، رمل وبحر (وسمك) . . . كلاهما جميل، وكلاهما وفقًا للمزاج يختلفان. وحبذا في هذه الحياة مزاج الوفاق وتوافق المزاج.
وإني إذ اجلس وحيدًا في هذا الصباح الهادي اللطيف، أذكر صاحبي هناك والدنيا حوله تفور وتصخب، وهو كما أعهده قابعًا في صومعة مفكرًا راضيًا ساخرًا. . .
وإنها للذة أن يقنع المرء نفسه بصومعة ينطوي عليها وتنطوي عليه، فهي في الحق نظرية عملية، إذا استطاعها امرؤ فبشره بالفوز العظيم في معترك الجهاد الأكبر، إذ هي وحقيقة الحياة تسيران جنبًا إلى جنب، والمرء فيها كالقطرة في النهر، لها وحدتها، ولكنها تجري وماء النهر من المنبع إلى المصب. . .
وهذا الذي يرونه فيلسوفًا ساخرًا، ما هو إلا روح هادئ قانع قابع، لا قانط ولا ساخط، قد عرف الأشياء وعرفته، وجرب الحوادث وجربته، وسار مع الأيام وسيرته، ثم ارتفع بروحه إلى سموات التأمل والتفكير، مصطحبًا الحس والشعور، حتى لا يضيع بين الوهم والغرور، وقد طوف في تلك الأرجاء مع القديم من الأحياء والجديد من الآراء، ثم عاد وفي نفسه أن ينظر ويرى.
فماذا يرى؟ - يرى أن يحتفظ بذاته، منفردًا غير وحيد، مبتعدًا غير بعيد، فتحول بينه وبين ما يريد (جاذبية) الأم الحنون - هذه الأرض التي خلق منها، ولا أقول خلق (فيها) فقد يخلق الشيء من شيء ويوضع في شيء، فلا يستطيع البقاء مع الشيء الذي وضع فيه، ويرتد إلى الشيء الذي خلق منه. وقد يكون المرء في هذا غير فاهم ما يحصل له، وهو إذن في جهل ونعيم. وقد يكون فاهما ما يحصل له، وهو إذن في علم وشقاء. . .
وهذا آدم أبو البشر بل رمز البشر، وقعت له الوقعتين، فجهل الأولى وعرف الثانية. عرف أنه من التراب وإلى التراب يعود. ومن ينبه الذي يدرك ما هو فيه، هو المعذب في الحياة، يقاسيها لأنه يعلم انه لا مفر له منها. ويعانيها لأنها تعنيه. . .