7 -تولستوي
(قمة من القمم الشوامخ في أدب هذه الدنيا قديمه وحديثه)
للأستاذ محمود الخفيف
بين الجد واللهو
ودع تولستوي قازان وفي نفسه أنه ودع اللهو والعبث فما إليهما من عودة، وبلغ ياسنايا تلك الضيعة المحبوبة وقد زاده محبة لها إنها غدت من نصيبه، وإن ليشعر أنه أصبح مسؤولًا عنها وعمن يعيش فيها من الناس؛ ولقد زاد هذا الشعور لا ريب في نفسه العزم أن يطلق حياة اللعب والعبث. . .
ثم إن فكرة تسيطر على لبه اليوم وتملأ جوانب نفسه، ومؤداها أن يعمل في جد على إصلاح حال الفلاحين في الضيعة وما جاورها، فما يليق به أن يذرهم فيما هم فيه من جهل وبؤس.
وتستمع إليه العمة تاتيانا دهشة مبتسمة فما يخرج الأمر عندها عن أن يكون نزعة جديدة من نزعات الشباب؛ ولكنه يعود كل يوم إلى هذا الحديث وإنه لأقوى عزمًا وأكثر جدًا؛ وإن تفكيره في هذا الأمر ليصرفه عن القراءة وعن الموسيقى التي أحبها حبًا عميقًا خبرته عمته؛ وإنها لتجلس إلى البيان تحاول أن تمتعه بلحن مما يجب فما يروعها إلا انصرافه عنها وعن لحنها ليقبل على حديث إصلاح الفلاحين. . .
وتعجبت عمته ويزداد عجبها إذ تراه يتخذ لنفسه زيًا خاصًا به يعتزم أن يلبسه في كل وقت وفي كل مكان لأنه يظهره في مظهر الفيلسوف؛ ولكن الفتى لا يلبث حتى يخلع هذا الرداء ويلقي به لأن أحد الزائرين لم يتمالك نفسه ذات مرة من الضحك من مظهره، كره الفتى أن يكون موضع استهزاء، وهو الذي طالما تأنق وتنبل بالثياب. . .
وما الذي ألقى في قلب الفتى هذه الرغبة القوية في إصلاح حال الفلاحين؟ أهي مجرد نزعة من نزعات الشباب حقًا؟ أم هي خيال ألقاه في نفسه قراءة قصة حديثة تسمى (القرية) ألفها قصصي يدعى جريجوروفتش وصور فيها حياة الفلاحين، صورة مؤلمة