الفن والبيئة المصرية:
جاء في مجلة المصور ما يلي: (كان من مظاهر عناية جلالة الملك بالفن والفنانين أن أمر جلالته بتخصيص قطعة أرض مجاورة لقصر القبة العامر، مساحتها نحو ثلاثة أفدنة، لينشأ عليها مبنى للصغار الذين يظهرون نبوغًا في فن الرسم والنحت وما إليهما. ويرى جلالته أنه ينبغي تنشئة جيل جديد من الفنانين الذين لم يتشبعوا بعد بالفن الأجنبي ليجيء فنهم مصريًا خالصًا من وحي طبيعة مصر وبيئتها) .
وهذا الرأي السامي الذي أرتآه جلالة الملك يتضمن لفتة ألمعية بارعة إلى ناحية من أبرز نواحي النقص في الفنون عندنا، بل لعلها علة القصور في جمهرة الفنانين، وهي الانشغال بالتقليد والاقتباس عن الإحساس بالبيئة وتأمل الطبيعة والأحوال المحيطة، وليس هذا في الرسم والنحت فحسب، بل هو في سائر الفنون. فنرى الروح الغربية تغلب في الرسم والموسيقى والتمثيل وتمتد إلى الأدب، ولم يقف ذلك عند حد الاستفادة من الفنون الغربية بما يجدد فنوننا ويسير بها نحو التقدم، بل إننا نستنفد طاقتنا في أكثر النواحي الفنية، في كل ما هو بعيد عن مجتمعنا وعالمنا ونفوسنا
وما أظن أن لدينا من المرسومات والمنحوتات المصرية البحتة في هذا العصر ما يصح أن يكون إنتاجًا كافيًا لأن يقال أن في مصر للرسم والنحت فنًا مصريًا له مقوماته وشخصيته
وهذه الموسيقى التي يقال إنها موضوعية أو تعبيرية، تسمع القطعة منها فلا تحمل إلى إحساسك أي شيء من موضوعها، وهي وغيرها أصوات متشابهة، قليل منها ما تستريح إليه الأذن، وأكثرها ما تستريح منه بوقف المذياع! وذلك لأنها محاولات تقليدية لم تبلغ أن تكون فنًا أصيلًا يعبر عن الذات ويصور الإحساس. ولقد كانت لأسلافنا موسيقى نسمع عن تأثيرها البالغ ما يؤسفنا لحاضرنا في هذا الفن، كموسيقى الفارابي التي أضحك بها وأبكى، ثم أنام بها الحاضرين وانصرف. . .
وأدبنا أيضًا لا يصدر أكثره عن بيئتنا وحياتنا ولا توحيه طبيعتنا، فالشعر (يستغرب) ، والقصة لا تزال غريبة، وحتى الأفكار الاجتماعية تقتبس، وإلى جانب هذه الروح الغربية تغلب أيضًا الروح العربية السلفية، فأدبنا يقضي أكثر أوقاته إما في الماضي، أو في