للأستاذ علي متولي صلاح
عندما كرموا شوقي منذ أكثر من عشرين عامًا أرسل لبنان شاعره المجلى بشاره الخوري فصدح بقصيدته الخالدة:
قف في ربى الخلد واهتف باسم شاعره ... فسدرة المنتهى أدنى منابره
فطار ذكرها في الآفاق، وبقيت بقاء الزمان. . . وعندما كرموا خليل مطران في الشهر الماضي أرسل لبنان الأستاذ شبلي الملاط بك شاعر الأرز، وهو الذي نعرف له ماضيه البعيد، وآثاره الحسان، وبدائعه الجميلة، فصدح بقصيدة خانه التوفيق فيها كثيرًا!!. . . نعم، كنا نود لو أن لبنان كرم الخليل وهو ابنه وشاعره، وقيثارته المغردة بذكره وحمده، المتغنية بأمجاده وآثاره، المترجمة عن مشاعره وهواه. كنا نود أن يكون تكريمه بالجليل العظيم من الشعر، والفخم الضخم من الكلام الذي يسير سير الشمس، ويمشي على أفواه الناس مشي النار في يابس الحطب وإنه بذلك لقمين.
ألقى الأستاذ شبلي الملاط بك قصيدة طويلة تزيد على الستين بيتًا لم يعرض لذكر الخليل إلا في عشرة منها، وانصرف في باقيها يسوق كلامًا يأخذ بعضه برقاب بعض، ويجر نفسه جرًا، دون وقفة تأمل، أو هدأة تصور، ودون خلجة قلب، أو همسة نفس! ولقد كنت تحس وأنت تقرأ القصيدة أنك تعتسف في بيداء مجهل، لا ظل ولا ماء، وكنت تشعر بالفراغ يشتملك ويحيط بك من كل نواحيك، وتحس إقفار البيداء إقفارًا شديدًا، فتنظر هنا وتنظر هناك علك تصيب حياة أو تجد أنسًا فلا تلقى إلا صورًا باهتة لا تدل على شيء، ولا تسمع إلا أصداء بعيدة لا تؤدي بك إلى شيء!
ولقد أسرف الشاعر في نسج أبيات يشهد الله أنها كانت هواء خلاء لا تكاد تعرف لها معنى إلا أن يقال عنه طويل النفس فأي معنى في قوله:
تعاقبت القرون فيمن هبوط ... تمر به القرون ومن صعود!
وأي معنى وأي شعر في قوله:
لها في كل ناحية حدود ... وتأبى أن تنام عن الحدود!