نظرت في نفعهم وما أنا في اج ... تلاب نفع الأولاد مبتدع
وقلت هذا بعدي يكون لكم ... فما أطاعوا أمري ولا سمعوا
واختلسوه مني، فما تركوا ... عيني عليه، ولا يدي تقع
ثم قال:
فاستأنفوا لي رسما أعود على ... ضنك معاشي به فيتسع
وإن زعمتم أني أتيت بها ... خديعة فالكريم ينخدع
ولا تطيعوا معي، فلست ولو ... دفعتموني بالراح أندفع
وحلفوني ألا تعود يدي ... ترفع في نقله ولا تضع
يقول ابن خلكان: فما ألطف ما توصل به إلى بلوغ مقصودة بهذه الأبيات التي لو مرت بالجماد لاستمالته وعطفته.
وبعد فإن في هذه القصيدة الطريفة ائتلافًا واضحًا، ورقة وانسجامًا، وتصويرًا بارعًا للعقوق يهز النفس ألمًا وحزنًا، ويمزق القلب أسى وحسرة. وإن الدنيا لحافلة في تصرفها بالناس بأشباه هذا الحادث.
فإن قيل إن الشاعر قد نحل أبناءه هذا العقوق ليملك من نفس الخليفة، ويضمن انخداعه، والكريم ينخدع، فيرجع براتب آخر - قلت: لقد جلا عن قدرته على التمويه، وبرع مع تعود لاعتقاد عن مناصرته، وشعور الشاعر بأنه يترجم عن اعتقاد من أقوى أسباب إجادته وإتقانه.
وقد اذكرني موقف أبناء ابن التعاويذي منه بما قرأته عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان من أبر الناس بأمه فقد قيل له: إنك لشديد البر بأمك، فلم لا تأكل معها من صحفة واحدة؟ قال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها. فأين هذا البر من ذاك العقوق؟
رحم الله آل البيت، فما كانوا في الناس إلا أقباسًا ساطعة من نور النبي الأعظم.
وفي الشاعر يقول ياقوت: وكل شعره غرر، وديوانه كبير جمعه بنفسه قبل أن يضر، وما حدث من شعره بعد العمى سماه الزيادات. وولد سنة 519، وتوفي في بغداد سنة 583هـ وقد طبع الديوان بمصر في مفتتح هذا القرن بعناية الأستاذ مرجليوث، ولكنه اليوم عزيز