أندريه مالرو
فنه وتفكيره
للأستاذ علي كامل
لعل من النادر أن نرى بين أدباء الغرب المعاصرين أديبًا بمثل روح العصر الحاضر مثل الأديب الفرنسي الشاب أندريه مالرو. وهو من هذه الناحية ومن حيث تأثير فنه على عقلية شباب هذا الجيل الذي نعيش فيه يقف إلى جانب الكاتب الكبير أندريه جيد. إلاّ أن كل منهما يتميز من حيث المشكلة التي يطرقها ويسعى لحلها. فأندريه جيد يكاد يقتصر فنه على معالجة المشكلة الجنسية التي يعتبرها مشكلة المشاكل، بينما يطرق مالرو الشخصية الإنسانية بأكملها، بكامل غرائزها ساعيًا لتحديد موقفها في هذا العصر المضطرب الطافح بالانقلابات والتطورات.
كان أندريه مالرو منذ ابتداء حياته الأدبية كاتبًا اجتماعيًا لا يستطيع أن يتصور كيف يمكن للأديب أن يبتعد عن معالجة مشاكل المجتمع الذي يعيش فيه واتخاذ موقف محدد حياله. كان ألد عدو لذلك النفر من الأدباء الذين اتخذوا من خيانة الفكر مذهبًا أسموه (الفن للفن) أو (البرج العاجي) يقبعون فيه غير عابئين بما يدور حولهم من مآسي الحياة ونكباتها حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى اعتبار أن مجرد المساس بحقائق الحياة المحزنة الدامية تشويه (لجمال) فنهم!!؟ إن هذه الزمرة من الأدباء في نظر مالرو ونظرائه من الأدباء الاجتماعيين ما هي إلا طائفة من المرائين الذين اتخذوا القلم سلمًا للوصول والنفعية، وهم قبل كل شيء يعملون - بوعي أو بغير وعي - لخدمة مصالح الطبقات المميزة في المجتمع الإنساني، وهذه الطبقات لا يهمها معالجة مشاكل الحياة القاسية لأنها لا تعاني ويلاتها بل من مصلحتها - إذا لمحتها في طريقها - التغاضي عنها وتعمد تجاهلها؛ لأن أنانيتها لا تتفق وافتضاح الخلل في المجتمع الذي تعيش على حساب تعاسته، وتصعد قمة المجد على جماجم شهدائه
على أن مالرو لم يقتصر على استخدام قلمه لخدمة المجتمع الإنساني، بل كان يهب كلما سنحت الفرصة ليخدم بقوة السلاح المبادئ السامية التي يؤمن بعدالتها. فلم تكد تنشب ثورة