للأستاذ صلاح الدين المنجد
(أيها الأغنياء المجرمون. . أن هذا الفقير السعيد، لا شرف منكم جميعًا. . .!)
كان الضباب ينحدر ببط من حدود الجبال نحو القرية الهاجعة في أحضان الظلام، وكان الهواء يعصف ويزأر، ويهب من حقول الذرة تارة يحمل الزوابع والتوابع، ويهبط من الجبال الملأ بالزعرور، يحمل الجن والعفاريت، كأنه يريد أن ينقض على هذه القرية فينسفها نسفًا.
وكانت الطرقات قفرًا، لا تلمح علة ظهورها أحدًا، فقد دفع الهواء العاصف آهل القرية أن يختبئوا في دورهم تاركين المصاطب التي تحلقوا فوقها، يستمعون إلى أحاديث الحصاد، ويتحدثون عما لديهم من الآمال والأشغال.
وساد الظلام في كل مكان. . وعبث الهواء بمصباح القرية المعلق أمام الجامع فأطفأه وألقى به في الأرض. وانتشر فوق القرية رعب وكآبة، ونام القرويون. . حتى الحارس (أبو شنب) فقد ترك عصاه الغليظة أمام باب الجامع، وأغفى وراء الباب.
وفجأة ظهر في طرف القرية، من إحدى العلالي، نور ضعيف ثم اخذ يشتد ويقوي حتى أنارت العلية. . وظهر رجل يقترب من نافذتها.
ولو أن الحارس كان مستيقظًا لأسرع إلى العلية يستطلع أمر هذا النور، ويسأل صاحبها إطفاءه، لئلا يستدل العدو على القرية فيهاجمها بجنده، ويصب عليها نار مدافعه.
ووقف الرجل في النافذة، فنظر حوله، ثم اخذ يخطو في العلية خطوات غير متزنة، ثم عاد إلى النافذة ينظر. . . كأنه يترقب أمرًا، أو يستطلع سرًا، ثم أتفتل إلى المصباح، فاضعف نوره، وعاد إلى النافذة يتمتم بصوت ضعيف كأنه يخشى أن يسمعه أحد:
-(لقد سخر مني، عيرني بالفقر والعجز، لم يخجل من شيبي وضعفي. . . لقد تخطيت الستين. . اكتب عليّ أن أكون عبدًا له، اتعب ليستريح، وأجوع ليشبع، وألبٍ المزق ليرفل بالحرير، وها أنذا لا املك شيئًا، وأولادي الصغار قضوا ثلاث ليال لا يأكلون، بل لا يجدون اللقمة الواحدة.
أمهم تعللهم بي، وأنا مختبئ أمام الدار، اسمع أصواتهم ويرن في آذني بكاؤهم، فيتفطر