للأستاذ نجاتي صدقي
كان سكان حي وادي الحوز في القدس مستسلمين إلى نوم عميق بعد يوم من العمل الشاق غي سبيل المعاش، وكانت الساعة تشير وقتئذ إلى الثانية بعد منتصف الليل. فإذا وقفت في غرفتي في تلك الساعة وتطلعت من نافذتها الشرقية مخترقًا بنظرك ظلام الليل الحالك، ارتسم أمامك جبل الزيتون، وقد قامت عليه أشباح عمارات الجامعة العبرية، ومستشفى همداسا، وهي تغتسل بالفحم السائل. . .
ثم إذا ألقيت بنظرك هناك قسمًا من بيوت قرية الطور وهي أيضًا تغط في نوم عميق هادئ، ولكنها آثرت أن تبقى لعض الأضواء هنا وهناك تحسبًا للمفاجئات، وكم تحمل هذه المفاجئات في طياتها من جرائم مشبعة بالخسة والنذالة. وكنت أنا ساعتئذ في جملة الناس المستغرقين في نومهم، أودع يومًا واستقبل يومًا آتيًا، وإذا بي استيقظ فجاءة على أزيز الرصاص ينطلق من جميع الأسلحة الآلية، من (بون) و (ستن) و (طومسون) وبنادق إنكليزية وكندية وفرنسية وألمانية، يتخللها انفجارات مروعة تهتز لها أركان البيوت، تمتزج مع أصوات نساء ورجال وصفارات، فيتجاوب صداها في الوادي الممتد من محلة الشيخ جراح حتى ضريح العذراء مريم فتخيلت نفسي في مدريد سنة 1937!. . .
كان المهاجمون جماعات من منظمة (الهاجانا) اليهود المرابطين في الجامعة العبرية وهم خليط من التلامذة والعمال، وبينهم عدد من الفتيات. . وقد اقتحموا أطراف الحي من ناحية الجبل مفتنمين فرصة خلو هذه الناحية من الحرس الوطني تقريبًا، لأن السكان كانوا يعتقدون بأن الجامعة العبرية هي معهد علم وتربية وثقافة، ويستحيل أن تصدر منها طلقة واحدة.
ومما يدل على قوة اعتقاد العرب هذا، حوار جرى بيني وبين صاحب حانوت من أهل الحي، وهو رجل أمي، سليم الطوية، قلت له: أتظن أن الجامعة العبرية ستكون مصدر خطر على وادي الحوز والأحياء العربية المجاورة؟
فقال: كلا يا أبا سعيد، هذه دار علم، ونحن لا نخشاها، كما أننا لا نعتدي عليها. . . وهي على الجملة في حمى قوانين العالم!