مسددًا إلى فؤاده، فيريحه مما يكابد من عناء!! وتلك أمنية ترمض الجوانح، وتدمي الجفون، ولكنها في رأيه سبيل الخلاص، ومرفأ النجاة، ها هو ذا يقول:
لبست لأجله ثوب الحداد ... ودرت مع الزمان بغير زاد
أمد يدي إلى قلمي افتقارًا ... فيدفعني إلى تلك الأيادي
فيا ليت اليراع يصير سهمًا ... كما أبغي ويكتب في فؤادي
سئمت من الحياة بلا حياة ... وضقت من الرشاد بلا رشاد
وكيف يهيم بالدنيا أديب ... تسربل بالسواد على السواد
إذا أكل الطعام فمن تراب ... وإن شرب المياه فمن مداد
كأن الدهر يغضبه صلاحي ... فأفقرني ليرضيه فسادي
وأوجع من هذا أن يقول شاكيًا فاقته نادبا مجتمعه الجائر
خلقت بين أناس لا خلاق لهم ... فباعني الفضل في الدنيا بلا ثمن
لولا بقية دين أمسكت خلقي ... لقلت إن إله العرش لم يرني
أو يقول:
وما قتلتني الحادثات وإنما ... حياة الفتى في غير موطنه قتل
وما أبقت الدنيا لنا من جسومنا ... على بأسنا ما يستقيم به الظل
وكأن الحظ قد سد أذنيه عن قلم إمام فلم يصغ لحظة واحدة، إلى صرخاته الفاجعة، وما زال يتقلب على أشواك الحرمان حتى دهمته العلة بعد خمسين عامًا من عمره الجديب، وأحس أنه قريب من الموت فلم يأسف من الحياة على شيء غير يراعه العجيب، بصريره فطالما نفث بمداده السحر، وشنف الأسماع، فطفق يودعه في حرقة وتلهف، وينشده الرثاء الباكي الذي ناح به على نفسه، وهو يكابد العلة القاتلة، ويصاول الداء الفتاك، ثم سبحت روحه إلى آفاقها الرحيبة، بعد أن ردد هذه الزفرات الأخيرة
يراعي، لقد حان الفراق وربما ... أراك على العهد المقدس باقيا
لبست عليك الليل حزنًا وليتني ... لبست على نفسي الدجنة ثانيا
مضت بيميني الحادثات جهالة ... فلما رأت صبري مضت بشماليا
وكيف يطيب العيش والدهر مدبر ... وفي القلب ما يفري الحسام اليمانيا