بعد. . . لا شك هي الأخرى تسر ذلك. . . ولاشك أيضًا أنها سوف تكون عونًا له حين يطلب إلى أبيه ما يرغب من حاجات!
وأستغرقه شعور سعيد جعله يسير في هدوء كأنه يحلم. . . وأخيرًا قدر له أن يستيقظ من حلمه. . . حلمه الجميل الذي حلق في سمواته بجناحي أبويه. . . كان ذلك حين تناهى إلى سمعه صوت صراخ وعويل. . . وحين تنتبه إلى أن هذا الصراخ والعويل إنما ينبعثان من داره. . . وحين أدرك في هذه الأصوات الجازعة صوت أمه!
جمدت قدماه فلم يستطيع أن يدرك ماذا حدث، ولا أن يفهم ماذا هناك!!
كانت هناك جموع حاشدة من الناس تهرع نحو الدار، وكان بين تلك الجموع رجال الإسعاف والبوليس، ومع ذلك فلم يستطيع صلاح أن بنقل قدميه خطوة واحدة تجاه البيت. . . كان بشعر بإعياء شديد يتسرب إلى حناياه وأوشكت جموع الناس المتزاحمة أن تلقي به إلى الأرض لولا أن يدًا رفيقة تمتد إليه، ووجهها رحيمًا يعطف عليه. . ويأخذ بيده من وسط الجموع المتدافعة. . . ولم ينظر إلى صاحب الوجه الرحيم حتى عرف فيه عم (فهمي) زميل أبيه في المصنع وجليسه في المقهى. . . لقد أنتحى به مكانًا خاليًا وأنهى إليه في إشفاق بالغ أن أباه قد مات. . . قتله الإنجليز برصاصهم حين كان يهتف مع العمال المتظاهرين. . . ليسقط الإستعمار. . . لتسقط إنجلترا. . . وأنه كان معه حين لقى ربه. . . وأنه أوصاه عليه قبل أ، يلفظ النفس الأخير. . وراح يؤكد له وهو يجفف دموعه بمنديل أنه سيكون له مكان أبيه!
أما (صلاح) الصغير فقد لفه الصمت في غلائم الوجوم، وأنتابه ذهول غريب جعله لا يدرك الأشياء من حولهإلا
بالقدر الذي أدركها بها محموم أمضه المرض وأنهكه الألم، وقضى شهورًا طريح الفراش. . .!!
وظل هذا الذهول الحاد الذي كان له بمثابة المخدر الذي يحقن به المريض قبل إجراء جراحة له. . . ظل هذا الذهول مهيمنًا عليه. . . إلى أن ترامى إلى مسمعه صوت مألوف لديه. . . صوت زملائه الطلبة وقد توافدت جموعهم نحو بيت الشهيد المصري الأول وهم يهتفون بصوت رهيب (إلى الجنة يا روح الشهيد الطاهرة. . وإلى الجحيم يا أوباش