أنشد عمر بن أبي ربيعة ابنَ أبي عتيق في أحد الأيام قائلًا:
بينما يَنعَتنَنِي أبصرنَنِي دونَ قِيد الميل يعدو بي الأغرّْ
قالت الكبرى: أَتَعرِفنَ الفتى؟ قالت الوُسطى: نعم هذا عمرْ
قالت الصغرى وقَد تَيَّمتُها: قد عرفناهُ ... وهل يخفى القَمَرْ؟
فقال له ابن أبي عتيق: أنت لم تنسُب بها، وإنما نسبتَ بنفسك! كان ينبغي أن تقول: قلتُ لها فقالت لي، فوضعتُ خدّي فوطِئَت عليه!
التحوّل في مقياس النقد
أخذ المجتمع الحجازيّ في العصر الأموي يتحضّر بفعل عوامل شتّى جديدة طرأت عليه من الداخل والخارج، وكان الطابع الغالب على الحياة الحجازية الجديدة في هذا العصر هو طابع الترف في كل شيء، وقد مسّ هذا الترف الشعر، فتغلغل في موضوعات ومعانيه وصوره، كما مسّ ديباجة هذا الشعر المتمثلة في في ألفاظه وصياغته وأسالبيبه، فهي ديباجة أبعد ما تكون عن الجفوة والغلظة، والتعقيد والالتواء، والغموض والإبهام، وما أشبه سماتها بسمات الحياة الظاهرة والباطنة التي كان يحياها شعراء الغزل في الحجاز.
ونتيجة لهذا ظهر في الحجاز جانبين من النقاد، كلّ منهما يسير وفق مقياس يرضيه ويناسب تفكيره، وكان الجانب الأول ممثلًا في دعاة ومؤيدي الغزل الصريح وعلى رأسهم عمر بن أبي ربيعة، فقد كان المغنون يتلقّفون الجديد منه ويضعون الألحان ثم يتغنون به والكثيرون ينشرونه هنا وهناك لما له من تأثير يشبه السحر عليهم، ومن النساء من كانت تدوّنه في دفتر وتدخل به على نساء اخريات، بل كانت الكثيرات يأتين إلى الحج من أجله.
على الجانب الآخر كان التيار المعارض لهذا الشعر، يرفضه لأن منافٍ للقيم والأخلاق الإسلامية، وهم المتشددون في دينهم من أهل الحجاز، فيرفضون ما في الغزل الصريح من إباحية يُخشى منها على أخلاق النساء، وتلك الطائفة هي التي كانت تقيس الشعر على مقياس الرسول -عليه الصلاة والسلام- والذي استوحاه من تعاليم الإسلام وقيمه الأخلاقية، والقائل:"إنما الشعر كلام مؤلف، فما وافق الحقّ منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه".
فهو مقياس يتخذ الحق أساسًا له، ويدعو إلى التمسك بالفضائل ومكارم الأخلاق، فالحسنُ من الشعر طبقًا لهذا المقياس هو ما وافق الحق، وما لم يوافق الحق منه فباطلٌ لا خير فيه، والرسول بهذا أراد أن ينحرف بالشعر عن طريق القيم الجاهلية، وأن يجعله إسلاميّ الروح والمضمون والاتجاه، وبذلك يكون عاملًا من عوامل البناء لا الهدم في المجتمع الجديد.
أدى تتبع النقد للشعر إلى تطوره بتطور الأول، وهذا التطور أدى إلى ظهور مقياس جديد في تلك الفترة في النقد لم يتنبه له إلا ابن أبي عتيق، وهذا المقياس متمثلًا في قوله عن شعر عمر ابن أبي ربيعة:
"لشعر عمر ابن أبي ربيعة نوطة في القلب، وعلوق في النفس، ودرك للحاجة ليست لشعر، وما عُصي الله جلّ وعزّ بشعرٍ أكثر مما عُصي بشعر ابن أبي ربيعة"
ونفهم من هذا القول أن الشعر الذي يلبي نزعات النفوس في عصره، ويدفعها بجمال تصويره وقوة تأثيره إلى عصيان الله في سبيل إشباع رغباتها المكبوتة قد صار من الأصول أو القيم النقدية التي تؤخذ في الاعتبار عند إرادة التفضيل بين شعر وشعر، أو بين شاعر وآخر، وابن أبي عتيق أول من نوّه بهذا المقياس، ولفت الأنظار إليه في مفاضلاته الشعرية، وأبرزه في أحكامه التي قرر بها واقعهًا ملموسًا، واتجاهًا موجودًا في شعر معاصريه الحجازيين.
الخاتمة:
رأينا في هذا العرض المتواضع كيف تطور النقد تدريجيًا من الذوق والانطباع في العصر الجاهلي إلى اعتماد مقاييس معينة في العصر الأموي، وكل ذلك ناتج عن عوامل عدة، أهمها ظهور الدعوة الإسلامية والفتوحات والانفتاح على الثقافات الأخرى، وأيضًا كأمر طبيعي ذلك التطور في حياة الأفراد وأفكارهم
ورأينا كذلك تلك الميزة التي امتلكها ابن أبي عتيق في النقد، من مصداقية ونزاهة في الحكم، واعتماد مقاييس مميزة، وقبول للشعر باختلاف أصنافه والقول والرواية والنقد فيه، فهو بحق من اهم وأبرز النقاد الذين رسموا الطريق الصحيح لاستمرارية النقد ومواكبته الشعر وموضوعاته المتجددة بتجدد العوامل والظروف الحياتية
ونهاية أرجو أن اكون قد نجحت في عرض المادة وتقديما بشكل منظم وجيد شكلًا ومضمونًا، وأخيرًا أسأل الله الخير والفائدة، وأشكره وأحمده وأصلي وأسلم على رسوله الأمين
"الحمد لله ربّ العالمين"
ـ [وضحاء .. ] ــــــــ [19 - 03 - 2008, 11:48 م] ـ
نظرة شاملة، وتلخيص لفحوى الكتاب.
شكرا لك.
ـ [أحمد القرني] ــــــــ [01 - 04 - 2008, 01:02 ص] ـ
أشكرك من صميم فؤادي
أفدتنا لاحرمت الأجر